فهرس الكتاب
واعتقاد المسلم أن الوضع الكوني وحقائقه وضعٌ شرعي وحكمه يعني براءة المنهج الإسلامي من الشعوذة والخرافة، وأن التفكير يجب أن يكون على وجهٍ سُنَني، فلا يحكم على وقائع الحياة ولا الوجود إلا بما يعلم من السُنَن المبثوثة في النفس والوجود، فلا يجوز قراءة التاريخ بغير ذلك، كما لا يجوز قراءة الجغرافيا بغير ذلكن ومثلها حركة الإنسان وإنتاجه، والقدماء من المؤرخين كان لهم شغف بالغرائب كما هو شأن الإنسان كله، وهذا الشغف جعل الإنسان لقلة وسائط المعرفة يعتقد أمورًا لا وجود لها، ويفسر أحداثًا على وجه خارج سُنَن الله في الكونن فوقع في الخرافة والشعوذة، وأول ما حققه الإسلام في الإنسان أن أخرجه من دائرة الوهم والخرص إلى أفق الحقيقة، سواء ما كان من عالم الغيب أو الشهادة، وجعل من الشرك أن يعلق فعل على غير سببه كاعتقاد الأنواء في نزول المطر أو حركة الرياح، أو اعتقاد الطيرة، وغير ذلك من الخرافات التي تنسب الحوادث لغير أسبابها الكونية.
ومع إقامة السُنَن الكونية وحقائقها كذلك أقام عالم الغيب فاعلًا في عالم الشهادة، كالملائكة وإمدادهم، ونزول البركة في الطعام والماء، وأثر الدعاء في الحوادث والكوائن، وهذا كله من رحمة الله بالمسلمين، لكن لا يوجد أثر غيبي في عالم السُنَن إلا مع وجود سببه الكوني، فكل حوادث نزول البركة في الطعام والماء كانت مع وجود الطعام والماء، لا أن يوجد الطعام والماء من لا شيء، لا لأن الله لا يقدر الإيجاد من العدم سبحانه، فهو خالق كل شيء من لا شيء، لكن لإقامة سُنَن الوجود ومراعاتها، فإن إلغاءها طعن في حكمة الخلق، ولا يكون هذا إلا لمعجزة، ولهذا كان النبي (يراعي السُنَن كما يراعيها الخلق في أمورهم، ويدعو أصحابه لذلك، فكان حرصهم كما قال تعالى: (وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ (، وما جرى لهم من حوادث الحياة كانت كلها على وفق السُنَن في الدفع والقدرة، فلم يغلبوا أعداءهم وهم في مكة بلا سلاح وقوة، وفاتهم النصر في أحد لتخلف أسبابه، وهكذا فعظمة هذا الدين أن تحقق نصره وفق السُنَن مع مدد الغيب الذي كان ينزل لعلة الإيمان والطاعة والاستغاثة.
ومما تعجب للمسلمين اليوم خلافهم في مسائل فقهية مبعثها اختلافهم في أعمال ما علم الناس من سُنَن يقينية، ذلك كخلافهم في رؤية هلال رمضان، والله يقول: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (، وبعض من لو سكت لكان خيرًا له يقول عن علم الفلك اليوم هو علم الفلك قديمًا، فما أنكره الأقدمون من اعتماد الحساب في رؤية الهلال يجعلونه حجة في إنكار اعتماد علم الفلك اليوم في الرؤية وإثبات وجود الهلال، ولذلك يقع من الحوادث ما يضحك الثكلى حيث يعتمد رؤية مطعون في دينه يجري لإثبات رؤية الهلال من أجل المال الذي يكافأ عليه الرائي، فيصوم الناس على رؤية هلال لم تستطع كل آلات الدقيقة رؤيته ولكن رآه هذا الفاسق، وهذا من أعاجيب المسلمين اليوم، وهي كأعاجيب من يعتقد أن يأجوج ومأجوج موجودون في مكان خلق السد، وهم محجوزون