فهرس الكتاب
خلفه، ولا يعرفهم الناس، كما أنهم لا يعرفون العالم حولهم لإحاطة السد بهم، ويصححون أحاديث طعن فيها أئمة الحديث قديمًا، وجاء المتأخر فصحههما على طريقته، وإن سألتهم أين هؤلاء الناس؟ قالوا: هم خلف السد، فإن سألتهم أين السد الذي يختبؤون وراءه؟ قالوا: هو مخفيٌّ عنّا. ولا أدري هل هؤلاء مكلفون بالإيمان بمُحَمَّد (أم لا إن كانوا على هذه الهيئة التي يتصورونها، حيث لا نراهم ولا يرونا. والحديث الذي أقصده في حجة هؤلاء هو ما روي عن أبي هريرة مرفوعًا:(( إِنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ يَحْفِرُونَ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ ارْجِعُوا فَسَنَحْفِرُهُ غَدًا فَيُعِيدُهُ اللَّهُ أَشَدَّ مَا كَانَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ حَفَرُوا حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاسْتَثْنَوْا فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ فَيَحْفِرُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ فَيُنْشِفُونَ الْمَاءَ وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي حُصُونِهِمْ فَيَرْمُونَ بِسِهَامِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ فَتَرْجِعُ عَلَيْهَا الدَّمُ الَّذِي اجْفَظَّ [1] فَيَقُولُونَ قَهَرْنَا أَهْلَ الأرْضِ وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ فَيَبْعَثُ اللَّهُ نَغَفًا [2] فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَقْتُلُهُمْ بِهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ دَوَابَّ الأَرْضِ لَتَسْمَنُ وَتَشْكَرُ شَكَرًا [3] مِنْ لُحُومِهِمْ ) )وهو حديثٌ شاذ.
والقصد أن الرغبة بالغرائب تجعل البعض يستحسن ما كان على خلاف السُنَن، ويزداد الأمر شرًا حيث ينسب للدين ويحارب قائله بسيف السُنّة والحديث دون اعتبار لقواعد أهل العلم، ولا لقواعد الحق والسُنَن، بل الكثير منهم يعلق الأمر على الاحتمال العقلي، وهو باب لا يفعله العلماء بل الجهلة، وآخرون يحملونه على القدرة الإلهية، وهو باب يرتجف منه البعض، لأن رده يعني نقض القدرة الإلهية المطلقة، وينسى هؤلاء أن الله تعالى خلق الخلق على وجه سُنَني، وأمر الناس الإيمان به والعمل والفهم على وجهه لا مناقضته. وهذا الباب أعلم أن بعض من انتسب للسُنّة سينكره وخاصةً اعتماد رؤية الهلال على الحساب الفلكي المعاصر لأن البعض جعل هذه المسألة في منهجه من مسائل الاعتقاد، وكأن المخالف لها مخالفٌ للسُنّة، وهذا من الخطأ المنتشر المشهور، وكأن هؤلاء يرون الوسيلة هي المقصود لا الهلال وتولده او وجوده، ولعدم الاهتمام بالمقصد بل بالوسيلة هي التي جعلت المسلمين طوائف عدة في الصوم والإفطار.
أمّا اعتقاد أمور على خلاف سُنَن التكوين فهي أمور كثيرة في حياة المسلمين، وسبب وجودها إمّا الأحاديث الضعيفة أو المكذوبة، وإمّا أقوال علماء ثقات أقدمين قالوا بها فقلدهم المخالف لظن أن هذا العالم الثقة لا يقول
(1) اجْفَظَّ: ترجع سهامهم وقد امتلأت دما فتنة لهم.
(2) نَغَفًا: دودًا.
(3) شَكَرًا: تمتلاء شحمًا.