فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 198

شيئًا من جهة نفسه، وإمّا أفهام مخطئة للكتاب وصحيح السُنَّة. وغير المسلمين ليسوا بُرآء من هذا بل جهالاتهم أشد، ولهم حماقات تضحك الثكلى، ولا يغرنك الصور، إذ لا تعجب من عالم ذرّة يؤمن ببركة روث البقر، أو عالم جيولوجيا يشعل شمعة ليطرد أرواح الموتى وغير ذلك مما هو فيهم، وهذا الأمر يدلك أن الشرك والخرافة أمر ملازم للبشرية في كل أطوارها، ولا وجود لما يسمى بالتقدم الإنساني في باب العقائد والمفاهيم.

قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ? كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [1] (

لقد تَقَدَّم وصف الله لأنبيائه بأنهم بشر، وقال سبحانه عنهم: (وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (، وذكر ما يقابلهم من خلقه من الملائكة على الوجه الذي رأيت، وها هنا يتكلم الله ? عن رسوله (، وأنه على سُنَن السابقين في الحياة والموت، فهو (وإن لم يأت بآية على الوجه الذي حدث للأنبياء السابقين رحمة بأمته من أن تستأصل إن كفرت بها كما كفرت الأُمم السابقة بآياتها، إلا أنه (تجري عليه سُنَن الوجود في الحياة والموت. والآية هذه تشعرك بأمر وذلك لقوله تعالى فيها: (أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (وكأنها تردُّ على تصورٍ شركي قالت به قريش لرسوله (، وذلك بربط دينه بحياته، فحيث تنتهي حياته ينتهي دينه، وأمّا هم فلكثرتهم فإن بقاء نسلهم بقاء لدينهم، ولذلك - والله أعلم - قال الله لهم: (أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (، ذلك بأن الكل ميت، فإن عيروه بموته الذي سيكون لأنه بشر منهم كذلك بشر سيموتون.

وهذا الاشتراك في الحياة والموت لا ينقص قدر النبي (، ولذلك قال بعدها: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (، فإنهم وإن كانوا كلهم إلى موت، ولكن فرق بين موت من عمل خيرًا ومن عمل شرًا، وهذا كقوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (. وهذه الآية: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (تدلُّ على عدم جواز التغيير بالموت، ذلك لأنه قدر لازم لكل مخلوق، فإنه إن لم يصبه اليوم أصابه غدًا، ولذلك وجب الاعتبار لا التعيير. كما أنها تدلُّ أن الدين بقاؤه ليس مرتبطًا بشخص الرسول (، فإن تمنّى الكفار موته، وهو ميتٌ لا محالة فإن دينه باقٍ كما قال تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ (.

(1) الأنبياء: 34 - 35

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت