فهرس الكتاب
وكأن في الآية كذلك أن قريش فكرت بقتل الرسول (، فنبه القرآن أنّه إن سبقهم بالموت فسيموتون ويرجع الكل إلى الله، وقد قال القرآن هذا في موطن آخر في قوله تعالى في سورة الزخرف - وهي مكيّة: (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (، وتدلُّ على أن لا أحد قبل النبي ولا بعده لم يصبه الموت لا الخضر ولا غيره، وهي نص في الباب، والخلد في الآية معناه كما تراه طول الأمد لا عدم الفناء البتة، فقد نفى الخلد عن أحد قبله، أي لم يدركه أحد من السابقين إلى يومه (إذ أصابهم الموت جميعًا، وهذا أحد معنيي الخلد في القرآن ويحمل عليه قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا (أي مكث طويل وإن كان له نهاية، وهو الإعتقاد الحق، إلا أن يكون المقصود كما قال بعضهم: من قتل مؤمنًا لإيمانه، وهي على قاعدة: تعليق الحكم بالمشتق تؤذن بعلية الاشتقاق، والتفسير الأول أقرب، والله أعلم.
وذكر الموت خصوصًا في وصف عوارض البشر لأن الموت ومقدماته هو أعظم معاني الضعف في الخلق، فهو قاهرهم، وهو محيط بهم، إذ كل شيء له دواء إلا السام؛ أي الموت، والناس يدغعون الحر والبرد، كما يدفعون الجوع والخوف، كما يدفعون الفقر والألم، لكنهم لا يقدرون دفع الموت، فهو أعظم مظاهر الضعف فيهم، وهو أشد ما يكرهون وقد قالت عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله (قال: مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكِ؛ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ.
وقوله تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة (هذا تعليل لخلقهما، وهذا دليل أن الشر مخلوق، وها هنا بمعنى ما تكرهه النفوس، فهو شر لها، لكن لعلته هو خير، ولذلك في الحديث:(( وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ) )، وقوله (:(( عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ ) )، وهذا دليل أن الخير والشر اعتباريان بحسب فهم المرء لهما.
وقوله سبحانه: (فِتْنَة (أي ابتلاءً.
وقوله تعالى: (إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (تنبيه أن الموت ليس النهاية، بل هو بداية مرحلة أخرى، هي الحياة بعد الموت.