فهرس الكتاب
وقوله تعالى: (وَإِذَا رَأَىكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ [1] (
ردٌّ على كفار قريش الذين كانوا يستهزؤون برسول الله (، وأنه بشرٌ مثلهم، يأكل مما يأكلون، ويشرب مما يشربون، فجعلوا بشريته سببًا للإستهزاء به أن يتخذ الله بشرًا رسولًا، وهذا البشر جعل جهده أن يطعن في آلهتهم. فهذا مبعث استهزائهم أن يطعن بشر بهذه الآلهة العظيمة في نظرهم، وإذ كانوا كذلك فيكفيهم جهلًا أنهم وهم بشر كذلك يكفرون بالله، فمن أولى بالاستهزاء إذًا؟ هل هو البشر الذي يطعن بالآلهة الباطلة، أم البشر الذي يكفر العالمين؟
وهذه الطريقة من الشر التي يقع بها الكفرة في نسيان ما يفعلون من الباطل، ويتعجبون جهلًا من فعل الحق الذي يأتي به الأنبياء وأتباعهم كما قال تعالى عنهم: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ (، فأنتم إذ أنكرتم القتال في الشهر الحرام فإن ما تفعلونه من الضلال هو أشدُّ من ذلك، لكن هذه هي طريقتهم، وهي مسلك أتباعهم من بعد وإلى يومنا هذا، إذ يأتون بالجرم العظيم ثم يهولون ما يأتيه أهل الحق، فهم يعطون لأنفسهم الحق أن يقولوا عن رسول الله (كل ما هو بريء منه، فيتهمونه في صدقه وفي أمانته وفي عقله، فإن قيل لهم أنتم كفرة بالله وبرسوله صرخوا:"هذا سبٌّ لنا ولديننا."ثم تطرد هذه القاعدة في كل منازعة بين أهل الإسلام وبينهم، فإن قتلوا المئات من غيرهم كان هذا عدلًا ومشروعًا، وإن صرخت مستنكرًا فأنت كاره للعدل، وإن انتصرت فأنت إرهابيٌّ بغيض، وإن سلبوا الديار كان هذا تحقيقًا ونشرًا للسلام، وإن عاندت كنت مجرمًا عدوًا للسلام؛ فكل قبائحهم حق عندهم، وكل جرائمهم ضد غيرهم مبررة ولها معاني حسنة جميلة، وأمّا مجرد الإعتراض عليها فوحشية وإجرام وعدوان.
والقرآن قرر في ثلاثة مواطن الحق في المكافأة وذلك في قوله تعالى في سورة النحل: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ (وهذا الصبر في الحقوق الشخصية لا حقوق الله.
وفي سورة الشورى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا (.
وفي سورة البقرة: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ (.
ويشهد لهذه المواطن قوله في سورة الحج: (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ (.
(1) الأنبياء: 36