كان يُهيج ويُثير على الخلفاء, فإذا اكتُشف في أرض هرب منها إلى أرض أخرى, إلى بلد أخر, أو قبيلة أخرى, ثم غَيَّرَ اسمه, وانتسب إليها, فإذا اكتُشف ــ غَيَّرَ ــ هرب إلى مكان أخر, فقال ما يناسب حاله:
يومًا يمان إذا لاقيتُ ذا يمنٍ وإن لاقيتُ معديًا فعدنان
شيخ الإسلام كما أشرنا يقول: بأن هؤلاء ــ يقول ــ: (لا يعرفهم أكثر الناس) . يعني اليوم لا يعرف أكثر الناس لأنهم لا يُقاتلوا, فالخوارج القعدية خروجهم هذا وتهييجهم وإثارتهم هو مُقدمة للخروج بالسِنان, ثم تصل فتنتهم إلى ذروتها حينما يحملون السلاح ويقاتلون, ولا يفعلون إلا حين ما تكون لهم شوكة, وهنا يأتي البَتْر فيُبترون, ثم يبقون مستمرين, هذا فرقٌ جوهري إلى فوارق أُخرى بين الخوارج وبين البغاة, البغاة إذا خرجوا وقوتلوا وظُفِر بهم وانتصر عليهم انتهت فتنتهم, أما الخوارج لا تنتهي فتنتهم فهي مستمرة, وعلاجهم إنما هو بالقطع والبَتْر, ثم يبقى لهم جذر وينمو من جديد. ولهذا فهناك مُهادنة وهناك صلح وهناك وفاق بين الخوارج والبغاة, ولكن لا يكون بين جماعة المسلمين وبين إمام المسلمين وبين الخوارج المارقة أي صلح أو أي وفاق إلا السيف, فهم لا يقبلون أبدًا وعقيدتهم هذه وفتنتهم لا يقضى عليها إلا بالسيف, وهو علاجٌ مؤقت, ولهذا قال الله - سبحانه وتعالى - بالنسبة للبغاة وسماهم - سبحانه وتعالى - , قال: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} (الحجرات: من الآية9) ــ لاحظ ــ {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} , جميع المؤمنين, {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الحجرات:9) . {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} .
هذا بالنسبة للبغاة, ولهذا أجمعت الأمة بعد هذا القول الكريم اعتمادًا على هذا القول أن البغاة أو الخوارج الذين خروجهم ليس عن عقيدة ــ كخروج الخوارج المارقة ــ أنهم مؤمنون, ولكنها لم تتفق ولم تُجمع على إيمان الخوارج المارقة بل اختلفت, هناك من أهل الحديث إن لم يكن عامتهم فجمهورهم يَرَوْن كُفْر الخوارج, ويُخالفهم مَنْ يُخالفهم فلا يرى كفرهم, الشاهد لنا هو الذي نعرف به الفرق بين الخوارج المارقة وبين البغاة هو أن الخلاف هنا وقع في الخوارج المارقة الخلاف في إيمانهم, ولم يقع في الذين