فهرس الكتاب
القرآن عن ظهرِ قلبٍ، يبلغ عددهم سنويًّا بمعدّل ثلاثةِ آلافِ طالبٍ وطالبةٍ. غير أنه لا يُتقن أحدٌ منهم اللّغةَ العربيةَ، كما لا يفهم أحدهم شيئًا من معاني آيات القرآن؛ بينما نزلت هذه الآياتُ الكريمةُ للحكمة الّتي أراد الله بها أن يزكّيَ عبادَهُ، ويهذِّبَهم، ويطهِّرَ قلوبَهم ويهديهم إلى صراطه المستقيم.
زرتُ أكثر من ثلاثين مدرسةً قرآنيّةً في مختلف مناطق تركيا خلال أربعة أعوامٍ بدايةً من عام 1986م. وقد كانت هذه المدارسُ تمارس نشاطها علنيًّا بينما أعداد كبيرةٌ منها غير مصرّحٍ لها بالتّدريسِ.
وجّهتُ أسئلةً عديدةً إلى مسؤلى هذه المدارسِ أثناء تلك الزّيارات، فتلقّيتُ ردودًا غريبةً منهم، أخجلُ من ذكرِ بعضها في مثلِ هذا المقام. وأرى أنّ بعضها قد يدعوا إلى التّأمّلِ والعبرةِ.
ولعلّ من هذه الرّدودِ ما يثيرُ الاستغرابَ ويجعل الإنسان يتعجّبُ! ذلك أنّي لمّا سألتُ أحدَهم: لماذا لا تدعونَ مَنْ يُعلّمُ هؤلاء الشّبابَ اللّغةَ العربيةَ؟ قال بالحرف الواحد:"وما نصنع باللّغة العربيةِ! لأنّها ليستْ لغتًنا". فقلتُ له: ألا تريدون أن تفهموا القرآن، وإذا تعلّمتم لغتَهُ زالت المشكلةُ؟ قال"من أراد أن يفهم القرآن، يكفيه أن يتناول نسخةً من ترجمته، وهي متوفّرةٌ"ثمّ ناولني نسخةً من ترجمة القرآن الكريم باللغة التركية كانت عنده فوق المكتبةِ، وأضاف قائلًا بلهجةٍ مستهزئةٍ"ها أنت تزعم أنّك تُتقِنُ اللّغةَ العربيةَ، فما الفرقُ بيني وبينك في فهم القرآن وأنا لا أُتقِنُها! أنت تفهمه من النّصِّ العربيِّ، وأنا أفهمُهُ عن طريق التّرجمةِ، ولا أظنُّ أنّكَ أعلم بالقرآنِ من مترجمِ هذه النّسخةِ؟!"
سألتُ مدرّسًا يُشرِفُ على تحفيظ القرآن في مدرسةٍ قرآنيةٍ ضخمةٍ، سألتُهُ عن مدى فهمِهِ لمعاني القرآن الكريمِ. لأنّه كان يجهل اللّغةَ العربيةَ تمامًا.