فهرس الكتاب
كان طلبة العلم قبل النّهضة الأدبيةِ الحديثةِ يرتادون الحلقات العلمية التي تعقد في ردهات المساجد يومئذٍ، على غرار هذه الحلقات التي نقيمها اليوم، ثم يقف بعضُهم مواهبه على التخصّص بمكنونات اللغة العربية وآدابها، ويتعمق فيها حتى تداني له أسرارها، فيصبح امامًا ومرجعًا بمفرداتها.
تختلف الكفاءةُ في البلاغةِ والفصاحةِ من شخصٍ إلى آخر، كما تختلف في الشّخصِ نفسِهِ من نطقِهِ إلى كتابتِهِ. قد يكون الإنسانُ بليغًا في نطقِهِ وكتابتِهِ، وهذا قليلٌ؛ وقد يكون بليغًا في صياغتِهِ الكتابيةِ، ولكن ركيكًا في نطقِهِ وأسلوبِهِ، وهذا كثيرٌ. لأنّ الكاتبَ يجد الفرصةَ فيتأمّلُ ويدقّقُ فيتمكّن من اختيار الكلمات المناسبةِ، ثمّ يصوغُ كلامَهُ بأناةٍ وتمهّلٍ وتجرُّدٍ. أمّا الخطيبُ فإنّه لا يملك الفرصةَ إذا كان مرتجلًا، أي دون إعدادٍ سابقٍ. وإنما يملِكُ الخطيبُ المقوالُ المِصْقَعُ موهبةَ النّطقِ غريزيًّا. تنبع الحكمةُ من صدرهِ تلقائيًّا، ينطق بأروع الكلمات فينسِجُها على أبدع منوالٍ. ذلك حظٌ فطريٌّ لا ينالُهُ غيرُهُ بالحسد أو بالاغتباطِ أو بالتّمنّي. فالجمالُ الفطريُّ مقسومٌ، ويختلفُ حظُّ النّاسِ منه. أمّا البلاغةُ في اللّسان فإنّها من أعظم المزايا شأنًا، ويتفاوت النّاسُ فيها كما يتفاوتون في المال والجاه والعلم،"وَ فَوْقَ كُلَِ ذيِ عِلْمٍ عَليِمٌ".
إخوتي وأعزّائي،
حفظكم اللهُ تعالى وزادكم علمًا ومتّعكم بسعادة الدّارين آمين.
أحمد الله الّذي أقرّ عيني بالصّلة المباركة التي تربط بيني وبينكم: صلةِ الأستاذِ بتلاميذه. تلك من أجَلِّ الرّوابِطِ وأقدسِها. إذ يتعارف كثيرٌ من النّاسِ لمجرّد المصالح الفرديةِ، فينتهي غالبُها بانتهاءِ ما يرجو كلٌّ من الطّرفينِ أن يتحصّلَهُ باستغلالِ صاحِبِهِ. ولكن هذه الّتي تربط بيني وبينكم إنّما هي امتداد علاقة الرّسولِ - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه الذين وصفهم الله تعالى بأنّهم"أَشدّاءُ عَلىَ"