فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 38

لقد منّ الله علينا أن وهب لنا فرصة اللّقاءِ على مائدة العلمِ ولو في أوقاتٍ متباعدةٍ، فلا ينبغي أن نستحقرَ هذه النعمة لقلّتِها. فكم من قليلٍ يُجْدي بثمراتٍ لا حصر لها. يجب علينا أن نعترفَ بهذه النّعمة الكريمةِ"وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ"كما يجب علينا أن نمثل بين يدي ربِّنا بالحمد الجميلِ والثّناءِ الجزيل على ما خصّنا بإحسانه وإكرامهِ فجعلنا ممّن يستمعون القولَ فيتّبعونَ أحسَنَهُ. ذلك بفضله تعالى نجتمع في هذه البقعةِ المباركةِ، ندرس ونذاكر ونتباحث عن الحقيقة لنتعلّم في كلِّ تجربةٍ شيئًا جديدًا ولنزداد معرفةً وحكمةً. مع هذا لا بدّ أن نكون مستعدّين لاستقبال ما قد يصيبنا من البلاءِ.

اخوتي،

أعزّكم اللهُ تعالى، ورزقكم وإيّانا العلم النّافع والعمل الصّالحَ، إنّه لا ينبغي أن تتناسوا ما يعاني طالبُ العلمِ في بلادِنا اليومَ من وصبٍ ونصبٍ ومشقّةٍ وحرمانٍ. لقد ضاق الأرضُ على طالبِ العلمِ بما رحُبتْ خاصّةً في هذه الأيّام الّتي أوشك أن لا يجد مَنْ يُجيبُ عن سؤالهِ، أو نجدَ نحن مجلسًا يتّصف بمجلس العلم على حقيقتِهِ. هذا على الرّغم من كثرة المدارس والجامعاتِ. لأنّ كلّ هذه الأبنية الّتي يُطلَقُ على بعضِها اسمَ المدرسةِ، وعلى بعضها اسمَ الجامعةِ والكلّيّةِ؛ في الواقع ليستْ إلاّ مسرحيّاتٌ يتلاعب السّماسرةُ فيها بالعلمِ؛ وقد ضاعت المعارفُ، وحارَ العالِمُ، وخيّمَ الجهلُ على المجتمعِ بظلامِهِ ومخاطرِهِ. ولهذا أصبح العلمُ غريبًا، فاشتبه على النّاسِ مفهوم العلمِ؛ منهم من يُسمّيه الثقافة، ومنهم من يسمّيه الفنَّ، ومنهم من يُسمّيه الصّناعةَ، ويربطونه بمفهوم الحضارةِ والتّكنولوجيا. بينما العلم بمفهومه العامِّ هو انتفاء الجهل بالواقع الضّروريِّ. ذلك أنّ الإنسانَ يحتاجُ إلى معرفة سلسلةٍ من الحقائقِ: يحتاج بالدّرجة الأولى أن يتعرّف على نفسِهِ، وبالتّالي على بيئتِهِ، ثمّ يحتاج إلى معرفِ أسرارِ الكونِ. وإنّما يهتدي بعد ذلك إلى ما يترتّبُ عليه من مسئولية الإيمان والعمل الصّالح.

إذن الواقع الضّروريُّ هو الإيمانُ بالله وبما جاء من عنده جملةً وتفصيلًا. ولا ينتبه الطالبُ إلى هذا الواقع في غمار الأحداث الّتي تُضِلُّهُ إلاّ بهداية الله، وللحكمةِ صلةٌ بالهداية كما يشير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت