فهرس الكتاب
المبحث الثالث: النهي عن الغلو في حقه صلى الله عليه وسلم
الغلو في اللغة هو مجاوزة الحد، وشرعا: مجاوزة حدود ما شرع الله سواء كان ذلك التجاوز في جانب الاعتقاد أو القول أو العمل [1] .
وقد نهى عز وجل عن الغلو فقال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} (النساء171) وقال: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} (المائدة77) .
قال ابن القيم:"ومن أسباب عبادة الأصنام الغلو في المخلوق وإعطاؤه فوق منزلته"
حتى جعل فيه حظ من الإلهية وشبهوه بالله سبحانه وهذا هو التشبيه الواقع في الأمم الذي أبطله الله سبحانه وبعث رسله وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله" [2] ."
وعن بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين [3] .
وهذا التحذير من الغلو عام في جميع أنواع الغلو فيشمل الاعتقادات والأعمال كما قال شيخ الإسلام، ولهذا كانت الوسطية مما تميز به هذا الدين عن غيره من الأديان التي دخلها التحريف فسار بعضها مشرقا وبعضه الآخر مغربا، ونرى بجلاء هذا التوسط والاعتدال في جوانب شتى منها عقيدة الإيمان بالأنبياء، فاليهود كذبوا الرسل وعذبوهم وقتلوهم، والنصارى غالوا فيهم لدرجة رفع بعضهم إلى مرتبةالإلهية، ولهذا حذر الله من هذا الغلو ونسبه إلى أهل الكتاب كما في الآيات السابقة.
ولخطر الغلو في الأنبياء وخاصة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد أمتلأ القرآن ببيان بشريته صلى الله عليه وسلم وعبوديته لخالقه سبحانه، فقال تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي) (الكهف110) وذكره سبحانه بصفة العبودية في عدة آيات فقال: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) (الإسراء1) وقال: (فأوحى إلى عبده ما أوحى) (النجم10) .
(1) المصدر السابق 2/ 643
(2) إغاثة اللهفان2/ 226
(3) سنن النسائي 5/ 268، وصححه ابن حبان9/ 183