يشاركه في تكبيره صوت قبّرة وحيدة يتسلّل إلى أعماقه. يخال نفسه بعد ثوانٍ كطائر يأخذ به جناحاه إلى فضاء رحب فسيح مغمور بالأضواء والألوان. تخفق يداه في وشاحين من نسيمات المكان المطلّ على جميع التضاريس. تتجمّع في مدى جناحيه الممدودين عرائس كعرائس الجنّة، وأثوابهنّ الزاهية تخفق وتنداح. يأبى أن يشوّه خلوته بأحاسيس أرضية، فيطبق عينيه مستسلمًا لخشوع لا مثيل له، ويغمره طوفان من الوله القدسي. يعلو صوته الشجيّ مرتّلًا، يجتاح المدى المستسلم لسكينة عذبة، تُذهل وتثير حتى التلاشي.. يتألّق الوجه بالحبور، ويرتفع الصوت عاليًا، عاليًا، بكلمات الله. والقبّرة الوحيدة تغادر مكانها، كهمسة رقيقة، وعينا الشيخ المأخوذتان تلاحقان تحليقها بإحساس من يوّد الاستمرار، لكنّ الشمس القادمة كوجه صبوح تدغدغ أعماق الشيخ، وتلثم وجهه. يلفّ سجادته، وثوبه الفضفاض، شاكرًا ربّه على نعمه. يستقبل الوجه البيوت، هاتفًا متضرّعًا، طالبًا الذرية الطيبة وحسن الختام. تومض في العينين بقايا معادن متناثرة، وتبرز الألوان. تلتمع المسارب وأعالي الأشجار، وتغرق الأمكنة في بحيرات من الضياء. يعود إلى الأرض رويدًا رويدًا، ومسبحته الطويلة تسبق خطواته المتجهة إلى المنزل. يتناول إفطاره. تحنو (فطمة) على أشيائه كأم. تفتح النوافذ، والأبواب، يرى الشيخ باحة الجامع مدى واسعًا، تملؤه أشعة الشمس. يلمح يمامتين تتشّمسان، وحولهما تناثر سرب من عصافير الدوري. يشاهد أحد غلمانه يشرع الباب الكبير. تصل إليه نسيمات الطريق. يشرب ماء باردًا، ويغادر المائدة. تلحق به رائحة البيت، ودعاء سيدته. يخطو فوق البلاط الأبيض. تتجمّع فوق ثيابه عيون العصافير واليمامتين. يقترب من مجلسه. يقترب أحد الغلمان، في عينيه تنبض اللهفة والتساؤل:
-سيدي.. في الباب سيدة.
يطالعه ثوب أسود. يتخذ مكانًا، ويجلس. يجيئه الغلام بكتاب كبير، يضعه أمامه، ويقف صامتًا:
-امرأة؟
-أجل.
-دعها تدخل.