يخفق ثوب الغلام. تمتدّ يد الشيخ. يتصفّح أوراقًا. يفتح الكتاب، ونسيمات الطريق تعبر الباب، والباحة، ومساحة وجهه. يحسّ براحة. تحمل النسيمات رائحة الحياة، والصباح، ورائحة أخرى، يحاول أن يرفع رأسه، فتتكسّر نظراته فوق الصفحات، ويتلاشى إحساسه بالراحة. تهفو الرائحة وتزداد اقترابًا. يتنامى في أعماقه إحساس بالخطر، فيطبق العينين، والرائحة الغريبة تغمر المكان. يسمع صوت الغلام:
-أتريد شيئًا آخر يا سيدي؟
-لا..
سمع صوت خطواته مبتعدًا، لكنّه لم يرفع رأسه. بدا إحساسه بضيق المكان مزعجًا.. إنّه لم يعتد على زيارات النساء في الجامع. كنّ يزرن (فطمة) ، فتنقل إليه رغباتهنّ، وما يشكين من مشكلات. أمّا أن تأتي امرأة إلى الجامع.. فهذا لم يحدث من قبل. استعاذ من الشيطان، واستغفر الله، فالجامع بيت الله، ومكان عبادته، وهو ملاذ لكلّ عباده.
-جئتك في حاجة لن يقضيها لي.. سواك..
صوت جديد لا يعرف نبراته، لكنّه صوت واثق، وعميق. أحسّ به يوغل تحت جلبابه، ويلامس شيئًا ما، ساكنًا، في أعماقه.
-لم أقصدك في المنزل، لأنّ ما أحتاج إليه لا يقبل وساطة، ولهذا جئت إليك، فذلك أدعى إلى الثقة، وأكثر ضمانًا.
لم يقل شيئًا. ظلّ صامتًا كصخرة، ولمّا طال سكوته، قالت:
-ما توقّعت أبدًا أن تكون كما وجدتك..
فوجيء بما قالت، وحاول رفع رأسه، لكنّه لم يستطع، وكان إحساسه بضيق المكان يزداد، وقد أخذت به ارتعاشات لم يعرفها من قبل. تابعت:
-كنت أحسبك أكثر الرجال كمالًا.
دارت الكلمات في رأسه. ربّما كان وخز الإبر أقل إيلامًا من شعوره.
سألت:
-هل ترفع رأسك قليلًا؟..
سمع صوته كصوت رجل منهك القوى:
-أتقي الله يا امرأة. أهذا ما جئت من أجله؟
سمع صوت تنفسها، وربّما سمع دقّات قلبه. ألا تكفّ هذه المرأة؟
قالت:
-أنا لا آتي أمرًا منافيًا للأخلاق: ولن آتيه، ولست في حضرة رجل سيء السمعة.. لقد انتقيتك من بين جميع الرجال..