فهرس الكتاب
توقف، يلتقط أنفاسه المتعبة. كانت هذه المدينة العملاقة قرية صغيرة، عندما انزرع فيها. لم يكن هناك كلّ هذه السيارات، والأزياء، والألوان، والقصور، والوجوه المتزاحمة، تراءت له قافلة من العابرين. ليسوا كمثل الذين كان يراهم منذ لحظات. لكن الوجوه يعرفها، انزرعت كما انزرع في المدينة في وجدانه وسنينه وأفراحه وأشجانه. في قلب القافلة، رأى وجهه ضاحكًا، مغمورًا بالفرح، وإلى جواره، تألق وجه ذلك الحوراني الذي اصطاد وحشًا، وابن الفرات الأسمر. الغزال الذي لم يسلم ساقيه للريح ويهرب. التصق بالليل وافرغ قوته في وجه العاصفة التي كانت تقترب من منازل أحبابه، وآخر.. ما أبهى إطلالتك.. يا صديقي الذي أشعل النار في الأيام الباردة؟.
والذي لم يتزوج، لأنّ من أحبّها خلف تخوم الغابة، ولابدّ من الوصول إليها، مهما بلغت الصعوبات وطال الزمن..
كلّ هؤلاء، سقطوا عشاقًا، ولم يعرفوا هذه المظاهر والألوان، والوجوه المتزاحمة.
مسح عبرات تساقطت، رغمًا عنه، ومشى يداري وجهه عن عيون العابرين.
تأمل العيون المنتظرة في المنزل.
تذكر، أنّه رأى وهو عائد، أرغفة الخبز تملأ الشوارع، وكذلك زهت أمام عينيه، علب التبغ، بعشرات الاحجام والألوان.
ابتسم لزوجته، فهدأت الأسئلة في العينين الضارعتين.
قال لها:
-سيكون كلّ شيء على ما يرام.
كيف:"سيكون كلّ شيء ما يرام؟. لم يعد هناك ما يباع، سوى حياته وتاريخه.. فليكن"..
بخطوات بطيئة، لكنها متزنة، ثابتة، اتجه إلى غرفته. فتح صندوقًا عتيقًا وأخرج من داخله، علبة قديمة، أدناها من صدره، وسكن بخشوع كأنه يتلو صلاة. رفعها وأدناها من فمه، وقبلها. توهجت المعادن العزيزة، وهو يتفقدها وسامًا، وسامًا، أشار إلى أحد أولاده فاقترب. دفع العلبة إليه.
بعها.. لم أعد في حاجة إليها-