فهرس الكتاب
كان السلم خاليًا، لكن ضجيج المكاتب والأبواب المفتوحة، كان يصل إليه. سمع قهقهات، وكلمات باردة ودافئة، وعارية، وتنسم عطر نساء، وروائح بن، مع مزيج من عفن المكان، ورطوبة الرخام تحته.
لم يكن يشكو ألمًا، في أيّ مكان من جسده، لكنّ احساسه بهذا الجسد راح يتلاشى، والمرئيات تتلاشى، وأشياء في أعماقه تتلاشى، حتى أنفاسه حسب أنها تتلاشى، ثم غاص في فراغ..عندما استعاد وعيه، استغرب ما حدث. كيف يمكن أن ينهار وهو الذي قاوم على مدى خمسين عامًا من الأعوام العجاف؟.
وقف. وجد قامته تستطيل، وقدميه تتحركان. تذكّر أنّه نشأ على قمّة جبل لا يغادره الثلج، وكان يرمح كحصان قوي، بين السفوح والذرا، وصدره مشرعًا للرياح العاتية. وتذكّر سنين عذاب، لم يلامس جبينه ترابًا، أو يرى قدميه، على مداها الطويل، وكيف انتزع حبه من الذئاب ووحوش الغابة، في ذلك الجبل الذي ما عرف سوى الصمت، والسكون، والخضوع لثلوجه، ورياحه، ووحوشه الضارية.
توقّف عن التذكّر. لن ينظم شعرًا، أو يؤلف تغريبة، فما هو سوى إنسان عاطل عن العمل، قذفت به الحياة والسنون إلى الظل.
ابتسم لهذه الخواطر:"لقد خرفت حقًا. ما زال في القنديل بعض الزيت"لكن كلمة: الظل، اصطدمت بقلبه، كنصل حاد.
تلّمس صدره. فوق هذا الصدر، عشرات الأوسمة، كلّها تبرق وتلمع، وتؤرخ لجيل من الناس، أعطى كلّ شيء ولم يأخذ شيئًا. لماذا يفكّر هكذا وهو ليس في ميدان خطابة ؟. ومن أساء إلى هذه الأوسمة الوهاجة؟..