فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 47

ليس جديدًا على الاطلاق. منذ نصف قرن وأكثر، وفي كل عام من أعوامه، وفي كل شهر من شهوره، وكلّ صباح من أيامه الثلاثين، لابدّ أن يشرق صباح، ومن الغريب حقًا، أن يقال لكلّ صباح: إنّه صباح جديد.

قالت المرأة الصفراء:

-الأولاد لم يأكلوا. فقر الدم يغزو أجسادهم، والشحوب يشوّه ملامحهم، منذ سكنت إلى عزلتك، كالنساء.

تعوّذ الرجل من الشيطان، وأشار إلى أحد أبنائه:

-اذهب إلى البائع. اشتر خبزًا، ولا تنس أن تأتي بعلبة تبغ.

غمغم الصبي، وظلّ جامدًا لا يتحرك، فنهره:

-ما بك؟. يمكن أن تجلب لنفسك قطعة من السكر.

-ذهبت يا أبي. البائع لن يقرضنا بعد اليوم.

-لم؟! أنا أدفع له راتبي كلّه.

-يقول إن الراتب لا يكفي لسداد ما استدناه.

-خنزير....

غادر المنزل متمهلًا، محاذرًا أن يجهد نفسه، فآلام الصدر والمفاصل، وغيرها من آلام، لا ترحم شيخوخته المبكّرة.

وقف أمام صبية، في مقتبل العمر، تفوح رائحة عطرها، وتبرق عيناها وشفتاها وأظافر يديها، وشعرها وثوبها وحذاؤها:

-جئتكم منذ فترة، بقسائم دواء وعلاج، وأعرف أنكم صرفتم لزملائي المتقاعدين، والكتاب، والموظفات، والعمال، استحقاقاتهم.

-"لا يوجد أموال".

جلس على أقرب مقعد وهو يلهث. قطع مسافة طويلة، وصعد سلمًا عملاقًا، حتى وصل:

-لا يا ابنتي. العام يكاد ينصرم.

قاطعته مستثارة:

-قلت"لا يوجد أموال"ولست المسؤولة عن الدفع والتأخير.

-لابأس.. يا ابنتي.

نهض، واحساس بالضعة يستولي عليه. ما كان متسولًا أبدًا، لكنّها الحاجة، لعنة الله على هذا الزمان. فتاة بعمر ابنته، تؤخر وصول الخبز إلى أسرته، وتحرمه متعته الوحيدة الباقية في التدخين.. خارجًا، استند إلى الجدار، والدوار يأخذ به. تلاحقت أنفاسه ثم تباطأت، وغمر جسده عرق بارد كالثلج.

ارتخت ساقاه، فاقعى أسفل الجدار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت