فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 47

أعدت قراءة القصتين أكثر من مرة، وفي كلّ مرة كنت أكتشف جديدًا في ذلك البطل الملحمي الذي فضّل الموت واقفًا على الانهيار والاستسلام، وشعرت بالحزن والرثاء نحو الرجل الآخر بطل قصة عبيد، فهو لا يختلف عن سواه ممن يتساقطون كل يوم، ومنذ أن بدأ التاريخ والزمن.

رجلان على طرفي نقيض، هما صورتا الإنسان في كل زمان ومكان، دخلا الحرب رغمًا عنهما، الأول سلّمته رايتي ليدخل ميدان صراع ينهي مأساتي، والثاني حمل اسم عبيد ليدافع عن اسمه وانحرافه ورغباته الآنية.

واستمرت الحرب.. وطال الانتظار.. لم يخطر لي في بال ما حدث فيما بعد. فالبطل الملحمي منتصر لا محالة، وعبودية عبيد زائلة إلى غير رجعة، وستقتنع زوجتي أنَّ لا شيء يطاولُ الجبال سموًا ومهابة. وأن الحزن حالةٌ نفسية تصيب الإنسان من جوع وألم كالفرح تمامًا، ولابد من تلازم الحالتين وتعاقبهما، حفاظًا على توازن الذات الإنسانية.

هذا هو المنطقي والطبيعي، أما ما حدث فما كان منطقيًا، وما كان طبيعيًا، أحسست أن الزمن يتجمد، وأنني في عالم لا أنتمي إليه أو أنني أسبح في الهواء أو الفراغ، وعبيد يتقدم الصفوف مزهوًا وواثقًا، واسمه يعلو في الأفواه كأغنية قديمة ألفتها الأسماعُ، ووقفت مشدوهًا، أشدُّ شعر رأسي وألطمُ وجهي، كثكلى فقدتْ ذكورها جميعًا في الحرب. لكن عبيدًا ابتسم لي بود كبير، وحمل الجائزة التي منحت له، واقترب مني بخطوات بطيئة، وعندما أصبح على خطوة واحدة توقّف. أمال رأسه وأطرق لحظة، ثم دفع بالجائزة نحوي، وانسحب بكلّ احترام إلى زاوية نائية من المكان....

... رحت أبكي، كان عبيد ينتصر هذه المرة أيضًا، كما انتصر في كل مرة فكرت بالتخلص من عبوديته، ولعله النصر الذي لا يضارعه انتصار...

آخر الرجال

... ويشرق صباح جديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت