فهرس الكتاب
هذه الروايتين، تتجاوب مع التصوّف الإسلامي السنّي الأصيل [1] ، وتتعارض مع كلّ تطرّف وغلوّ في الأئمّة وعلومهم، لأن"النكت والنقر"ما هما إلا كشفا روحانيا، يعطيه الله لبعض الأفراد، السالكين طريق العرفان، ومنهم الأئمّة عليهم السلام [2] .
(1) قال الشعراني، في تعليقه على شرح المازندراني للكافي ج2 ص41:"لا ريب أن الشارح كان مائلا إلى التصوف، وكما أن في الفقه طريقا يرضاه الشارع وهو طريق الأئمة (عليهم السلام) ، وطريقا لا يرضاه كطريق الرأي والقياس، كذلك التصوف بعضه مشروع، وهو التعبد بالعبادات والرياضات الشرعية، ولا يتوهم أن الشارح (رحمه الله) من الصوفية المبتدعة الجاهلة الذين لا يعرفون السلوك، ومعنى الشيخ والإرشاد والمريد وفائدة الإرادة، بل مراده السلوك الشرعي وتهذيب النفس وتكميل المعرفة والرياضة على وفق ما تجوزه الشريعة. والحق أنه يحتاج المريد إلى المرشد العارف، إذ المبتدئ إذا تصدى لتهذيب نفسه من الرذائل مثلا لا يعلم كيف يأخذ في السلوك؟ وما الذي ينبغي أن يبتدأ به؟ وكيف يحترز عما عنه؟ وربما يكون له رذيلة العجب ولا يلتفت إليه حتى يجتنب عنه، ويحتاج إلى معلم ينبهه عليه، ويرشده إلى سبيل التخلص عنه، فكما أن في سائر الصنائع والمهن يحتاج إلى أستاذ يهيمن على التلميذ حتى يمهر فيها ويحصل له الملكة، كذلك ملكة تهذيب النفس بالرياضة بل هذا أشد احتياجا".
(2) قال محمد صالح المازندراني في شرحه لأصول الكافي، ج2 ص 26 - 27:
"وقد نقل شيخ العارفين بهاء الملة والدين، عن بعض أصحاب الكمال في تحقيق معنى الآل، كلاما يناسب ذكره في هذا المقام، وهو: أن آل النبي (عليهم السلام) كل من يؤول إليه، وهم قسمان: الأول: من يؤول إليه أولا صوريا جسمانيا كأولاده ومن يحذو حذوهم من أقاربه الصوريين، الذين يحرم عليهم الصدقة. والثاني: من يؤول إليه أولا معنويا روحانيا، وهم أولاده الروحانيون من العلماء الراسخين والأولياء الكاملين والحكماء المتألهين، المقتبسين من مشكاة أنواره، سواء سبقوه بالزمان أو لحقوه، ولا شك أن النسبة الثانية آكد من الاولى، وإذا اجتمعت النسبتان كان نورا على نور كما في الأئمة المشهورين من العترة الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين وكما حرم على الأولاد الصوريين الصدقة الصورية كذلك حرم على الأولاد المعنويين الصدقة المعنوية، أعني تقليد الغير في العلوم والمعارف، ثم قال: هذا ملخص كلامه، وهو مما يستوجب أن يكتب بالتبر على الأحداق لا بالحبر على الأوراق. أقول: وإنما كانت النسبة الثانية آكد من الاولى، لأن التفاوت بين النسبتين مثل التفاوت بين الروح والبدن، ولذلك اتفق الحكماء على أن حق المعلم الروحاني على المتعلم أولى وأعظم من حق أبيه الجسماني عليه"انتهى كلام المازندراني
ويعلّق عليه الميرزا أبو الحسن الشعراني: كأنه أراد بالعلماء الراسخين علماء الشريعة، وبالأولياء الكاملين علماء الطريقة، أعني المتحققين بتهذيب النفس والعارفين بدقائق المعارف بنور إلهي وكشف قدسي، وبالحكماء المتألهين أصحاب النظر الذين علموا بعقولهم بعض ما يتعلق بالمبدأ والمعاد بقدر الطاقة البشرية، والذين سبقوه بالزمان نظير لقمان وسائر الموحدين من أوائل الحكماء، وفي اقتباسهم من مشكاة أنوارهم تحقيق لا يليق ذكره هنا، ومدح هؤلاء إنما هو إذا كانوا مقتبسين من مشكاة أنوار النبوة، لا الفقهاء المعتمدون على الآراء والقياسات، ولا المدعون من أهل الطريقة الناكبون عنها بالبدع، ولا الحكماء المعرضون عن الإلهيات والتاركون للعقل المقبلون على الحس، فإنهم ليسوا حكماء حقيقة.