فهرس الكتاب
والرتابة نفسها في الأحداث وأحادية الموقف تسيطران على مطوّلة الفراتي في الكوميديا السماوية. إذ يبدو الشاعر للوهلة الأولى حانقًا على بني البشر الراسفين في قيود الحياة المادّية، والسابحين في مستنقعات الفساد والرذيلة، حتّى المتصوفين لم يفلتوا من قبضته في معظم أجزاء الكوميديا إذ يسمهم بالفساد في حانة إبليس وقد تكرّر ذلك في كوكب الشعراء، وفي كوكب الزنادقة، فيقول في حانة إبليس:
فما أبصرتُ عشرينَ ... تَقيًّا في نواحيها
وما أبصرتُ صوفيًا ... ولاما يُشبهُ الصّوفي
وألفيتُ سراحين ... بأهدامٍ من الصّوفِ [1]
ونلمح مثل هذه الرتابة وثبات الموقف في قصيدة محمد حسن فقّي (( الكون والشاعر ) )و (( اللّه والشاعر ) )وفي قصيدة الزهاوي (( ثورة في الجحيم ) )، حافظت شخصياته على ثبات مواقفها ولم تتغيّر الأحداث إلاّ بالمقدار الذي يؤكّد ثبات موقف الشاعر من الدين والغيبيّات وانتصاره لفكره المادّي، حين صوّر انقلاب الأحداث وتحوّلها لصالح جيش الجحيم في معركته الحاسمة مع جيش الملائكة، فيقول:
كانتِ الحربُ في البداءِ سِجالًا ... ما لصبحِ النّصرِ المبينِ سُفورُ
ثمّ للناظرينَ بانَ جليًّا ... إنّ جيشَ الملائكِ المدحورُ
هزموهُمْ إلى معاقِلهِمْ في الـ ... ـليلِ حتّى بدا الصّباحُ المنيرُ [2]
كما سارت أحداث (( ملحمة القيامة ) )سيرًا منتظمًا متساويًا مع الرؤية الدينية الإسلامية التي انطلق منها الشاعر، ولكنّ ثمّة تحوّل في مواقف الشخصيات فبعد أن ظهر أشرار الناس سعداء فرحين بسحق كلّ قوى الخير في مقدّمات الساعة باتوا تحت مظلّة المحشر والجحيم خائفين قلقين تارة ويعانون ألوانًا من العذاب تارة أخرى. وتحوّلت الشخصيات المضطّهدة من ضعيفة مسحوقة إلى شخصيات مطمئنة بما أتاها اللّه تعالى من أحوال السرور وبما حباها من أنوار الحضرة والرضوان.
(1) الفراتي، محمد، النفحات، ص:276.
(2) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص:738..