فهرس الكتاب
وقد سارت على نحو ما مرّ بعض الرحلات التي اعتمدت الترابط العضوي بين أناشيد المطوّلة ومقاطعها. على نحو مطوّلة العقّاد التي تتميّز بتطوّر مواقفها مع تنامي شخصية الشيطان من متمرّد على قدره المرتبط بالشرّ إلى متمرّد على النعيم المرتبط بالإيمان والخير إلى متمرّد على اللّه، فالناظم المشترك للمواقف الرئيسية هو التمرّد، لكنّه يختلف بعد ذلك في تفاصيل المواقف ونوعيتها، وهكذا كانت مواقف الشخصية تتطوّر نحو الأشد فالأشد في حين أخذت الأحداث والشخصيات صورة عكسيّة لدى محمد حسن فقّي في قصيدته (( جحيم النفس ) )إذ تبدأ القصيدة بدويٍّ شديد أشبه بحجر سقط في الماء ثم مالبثت دوائره آخذةً بالضعف والتلاشي شيئًا فشيئًا، والتراجع عما قرّره في البداية وذلك لغلبة الروح الإسلامية، التي ترى في النار تطهيرًا للنفس لتنتقل بعدها إلى دار الخلود، فيقول في البداية:
اسبقيني إلى الجحيم فإنّي ... سأوافيكِ في غَدي للجحيمِ
واطلُبي من سُراتِهِ أنْ يكونوُا ... عندَ أبوابِهِ قبيلَ قُدومي
قَالَ فيه شَيطانُهُ وهْوَ يُطريـ ... ـهِ لأَنتَ الرَّجيمُ مَولى الرّجيمِ
لستُ أدرِي فأنتَ في الشّر موّهو ... بٌ وفي الإثمِ ضاربٌ في الصّميمِ [1]
ثمّ يمرّ في مرحلة محاسبة النفس وعقابها ثمّ التماس طريق الخلاص لتكون النهاية.
ولقد امتازت بعض الرحلات بأحادية الموقف أسلوبًا لعرض الرحلة الخيالة. فإبراهيم الهوني في قصيدته (( أبونا آدم ) )لم يستطع أن يلوّن من مواقفه أو شخصيّته فبدت أحداث المطوّلة رتيبة تحمل مأسوية المعاناة وحسب، حتّى بعد لقائه لآدم وحوّاء رغم أنّه يستطيع بذر روح الأمل في الحوار، لكنّ شدّة المعاناة لازمته حتّى وصل إلى النهاية المأسوية التي ترى الموت سبيلًا لخلاصها ملخّصًا في قوله:
فقالَ: مكوثُ المرءِ عندي محرّمٌ ... إذا لمْ يُطهّرْ بالممَاتِ منَ الغلِّ [2]
(1) فقي، محمد حسن. الديوان، مج1، ص:222.
(2) الهوني، إبراهيم، الديوان، ص:40.