فهرس الكتاب
لهذه الأسباب حلم بعض الشعراء بالابتعاد عن الواقع والغور بعيدًا في ذواتهم أو الهروب إلى عوالم بعيدة يحقّقون فيها ما تصبو إليه أرواحهم المثقلة بأعباء الحياة الراسفة في قيود الماديّة، ويوجّهون النقد لأبناء مجتمعاتهم الذين انحرفوا عن المهام الجليلة التي خلقوا لأجلها، وكلّهم أمل أن يحقّقوا صورة الإنسان النقي البريء.
وقد كانت الحريّة هاجس فوزي معلوف الذي انطلق على أداة من أدوات الحضارة (الطيّارة) يروم الخلاص من واقعه، وعندما صار في الجوّ خفّت روحه وتطلّعت إلى كسر أغلال المادة وتحطيم قيود الجسد الذي أذاقها مرارة الكآبة والعبودية، حتّى بات الشاعر عبدًا لكلّ ما حوله في الحياة، فيقول:
بينَ رُوحِي وجِسمِي الأَسيرِ
كانَ بُعْدٌ
ذُقْتُ مُرَّهْ
أَنَا في الأرْضِ وَهْي فَوقَ الأثيرِ أنا عَبْدٌ
وهْي حُرَّهْ [1]
فهذا المقطع يعبّر عن ذروة المعاناة الإنسانية عندما يستحوذ حسّ العبوديّة على الشاعر، لذا كان مطلب الحريّة وسيلة للارتقاء فوق الآلام، فوق الأرض التي يغطّي الشقاء كلّ بطاحها.
ويتجلّى الحلم في سيرورة الوحدة العضويّة للقصيدة، وهي تعبّر عنه في أناشيدها الأربعة عشر. ففي النشيد الأول يحدّد الشاعر أدوات وجوده الروحيّ باستخدامه ظروف المكان المعبّرة عن الفوقيّة، فيقول:
في عُبابِ الفَضاءِ فَوقَ غُيومِهْ
فَوقَ نَسْرِهْ
ونَجْمَتِهْ
أنْزلَتْهُ فِيهِ عَروسُ قوافِيْـ ... ـهِ بَعيدًا عن الوُجُودِ وَظُلمِهْ [2]
(1) معلوف، فوزي، على بساط الريح، ص: 77.
(2) المصدر نفسه، ص:61.