فهرس الكتاب
ثمّ يصرّ على ما تلهج به نفسه من الانطلاق والحريّة، فيجعل النور موكبًا له، ويتّخذ من الفضاء مسرحًا لسطوته وسلطانه، ثمّ إنّه يتردّد في بقيّة الأناشيد بين الأمل الطامح والواقع الثقيل، وربّما لجأ إلى الرمز مرّة وإلى التصريح مرّة أخرى، لكنّ مجموع الأناشيد يشكّل كلًا واحدًا تمثّله الرغبة الطامحة إلى الانعتاق والحريّة، والروح الشاعرة وحدها القادرة على تحقيق هذه الغاية، فهي الروح الخلاّقة التي أرهفت سمعها لتصغي إلى أنغام الخلود العلويّة، فهي روح لا يقربها الإثم أو الشرّ، لذا يتوق الشاعر للوصول إليها عندما يجد نفسه يجوز الفضاء ويتخلّص من قيوده الأرضية، فيقول:
يا طُيورَ السَّماءِ في الرِّيحِ رُوحِيْ
بي جَرْيًا
عَلى الجَلَدْ
وبِجِسمِي طِيرِيْ إلى حَيْثُ رُوحِي
فيهِ تَحْيَا
بِلا جَسَدْ [1]
لكنّ الحلم لا يأتي كما تشتهي النفس وتحبّ فلابدّ ممّا ينغّص عليه سعادته إنّها عقدة الذنب لكونه ابنًا للحضارة الماديّة التي تلاحقه في كلّ منزل ينزل فيه وتحول دون تحقيق التوافق بينه وبين الطيور والنجوم والأرواح إلى أن تنبري روح الشاعر المتحرّرة من الجسد لتعانق هذا الشاعر الذي طالما اشتاقت للقائه، فيقول:
هِيَ رُوحي جَاءتْ تُخلْصْني مِنْ ... غَضَبِ العَالَمِ الفَخُورِ بشَمْسِهْ
طَوَّقَتْنِي بِكلِّ عَطْفٍ وصَاحَتْ ... أَخْواتِي: رِفْقًا بِهِ وببُؤسِهْ
إنَّ بينَّ السَّريرِ والنَّعشِ خُطوا ... تٍ دَعَوْهَا الوُجُودَ وهْيَ بِعكْسِهْ [2]
وفي تلك اللحظات تشرق الروح وتتحقّق هواجس الشاعر وتختصر المسافات وتتضاءل المجرات، فتصير المادة ظلًا هزيلًا باهتًا لا قيمة له ينظر إليها الشاعر باحتقار وازدراء، فيقول:
ونَرَى الطَودَ في السُّهولِ كمَا تُبْـ ... ـصِرُ فَوقَ التُّرابِ ظِلَّ حَصَاتِهْ
(1) المصدر نفسه، ص: 85.
(2) المصدر نفسه، ص: 149.