فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 262

لقوانين الوجود العامة, فإن هذا المفهوم الفلسفي عن النفس هو المفهوم الوحيد الذي يستطيع أن يفسر المشكلة, ويعطي إيضاحا معقولا عن العلاقة القائمة

بين النفس والمادة, بين النفس والبدن. وأما المفهوم الافلاطوني الذي يفترض

للنفس وجودا سابقًا على البدن فهو أعجز ما يكون عن تفسير هذه العلاقة, وتعليل الارتباط القائم بين البدن والنفس, وعن إيضاح الظروف التي جعلت

النفس تهبط من مستواها إلى المستوى المادي.

كما أن الادراك العقلي يمكن إيضاحه مع إبعاد فكرة المثل عن مجال البحث

بما شرحه أرسطو في فلسفته من أن المعاني المحسوسة هي نفسها المعاني العامة

التي يدركها العقل بعد تجريدها عن الخصائص المميزة للأفراد واستبقاء المعنى المشترك, فليس الانسان العام الذي ندركه حقيقة مثالية سبق أن شاهدناها في

عالم أسمى, بل هو صورة هذا الانسان أو ذاك بعد إجراء عملية التجريد

عليها واستخلاص المعنى العام منها.

2ـ النظريات العقلية:

وهي لعدد من كبار فلاسفة أوروبا كـ (ديكارت(1 ) ) و (كانت) وغيرهما.

وتتلخص هذه النظرية في الاعتقاد بوجود منبعين للتصورات: احدهما الاحساس, فنحن نتصور الحرارة والنور والطعم والصوت لأجل احساسنا

بذلك كله, والآخر الفطرة بمعنى أن الذهن البشري يملك معان وتصورات لم تنبثق عن الحس وإنما هي ثابتة في صميم الفطرة, فالنفس تستنبط من ذواتها.

وهذه التصورات الفطرية عند (ديكارت) هي فكرة (الله والنفس والامتداد والحركة) وما إليها من أفكار تتميز بالوضوح الكامل في العقل البشري. وأما

عند (كانت) فالجانب الصوري للادراكات والعلوم الانسانية كله فطري بما يشتمل عليه من صورتي الزمان والمكان والمقولات الاثنتي عشرة المعروفة عنه.

فالحس على أساس هذه النظرية مصدر فهم للتصورات والافكار

البسيطة, ولكنه ليس هو السبب الوحيد, بل هناك الفطرة التي تبعث في

الذهن طائفة من التصورات.

والذي اضطر العقليين إلى اتخاذ هذه النظرية في تعليل التصورات

البشرية, هو أنهم لم يجدوا لطائفة من المعاني والتصورات مبررًا لانبثاقها عن

الحس لأنها معان غير محسوسة, فيجب أن تكون مستنبطة للنفس استنباطا ذاتيا

من صميمها, ويتضح من هذا أن الدافع الفلسفي إلى وضع النظرية العقلية

يزول تماما إذا استطعنا أن نفسر التصورات الذهنية تفسيرا متماسكًا من دون

(1) ـ راجع: مدخل الى فلسفة ديكارت ـ سلسلة المكتبة الفلسفية رقم 5 منشورات عويدات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت