فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 262

قبلية في صميم العقل البشري يرتكز عليها الكيان العلمي في مختلف حقول

التجربة نستطيع ان نطمئن الى امكانات الفكر الانساني وقدرته على درس

القضايا الفلسفية وبحثها في ضوء تلك المعارف القبلية على طريقة الاستقراء

والهبوط من العام الى الخاص.

وأما الصفة الثانية, وهي أنَّا لا نستطيع أن نصف الظروف التي إن

صحت كانت القضية صادقة وإلا فهي كاذبة, فلا تزال بحاجة إلى شيء من التوضيح. فما هي هذه الظروف الواقعية أو المعطيات الحسية التي يرتبط صدق القضية بها, وهل تعتبر الوضعية من شرط القضية أو يكون مدلولها بالذات

معطى حسيًا كما في قولنا (البرد يشتد في الشتاء والمطر يهطل في ذلك الفصل)

أو تكتفي بأن يكون للقضية معطيات حسية ولو بصورة غير مباشرة, فان

كانت الوضيعة تلغي كل قضية ما لم يكن مدلولها معطى حسيا وظرفا واقعيا

يخضع للتجربة فهي بذلك لا تسقط القضايا الفلسفية فحسب, بل تشجب

أيضا أكثر القضايا العلمية التي لا تعبر عن معطى حسي وإنما تعبر عن قانون مستنتج من المعطيات الحسية كقانون الجاذبية, فنحن نحس بسقوط القلم عن الطاولة الى الارض ولا نحس بجاذبية الأرض. فسقوط القلم معطى حسي

مرتبط بالمضمون العلمي لقانون الجاذبية وليس للقانون عطاء حسي مباشر.

وأما إذا اكتفت الوضعية بالمعطى الحسي غير المباشر فالقضايا الفلسفية لها معطيات حسية غير مباشرة كعدة من القضايا العلمية تماما أي توجد هناك

معطيات حسية وظروف واقعية ترتبط بالقضية الفلسفية فان صحت كانت

القضية صادقة وإلا فهي كاذبة. خذ إليك مثلًا القضية الفلسفية القائلة بوجود

علة أولى للعالم, فان محتوى هذه القضية وإن لم يكن له عطاء حسي مباشر,

غير أن الفيلسوف يمكنه أن يصل إليه عن طريق المعطيات الحسية التي لا يمكن تفسيرها عقليا إلا عن طريق العلة الأولى, كما سنرى في بحوث مقبلة من هذا الكتاب.

وهناك شيء واحد يمكن أن تقوله الوضعية في هذا المجال, وهو أن

استنتاج المضمون الفكري للقضية الفلسفية من المعطيات الحسية, لا يقوم على أساس تجريبي وإنما يقوم على أسس عقلية, بمعنى أن المعارف العقلية هي التي

تحتم تفسير المعطيات الحسية بافتراض علة أولى, إلا أن التجربة تبرهن على

استحالة وجود هذه المعطيات بدون العلة الأولى, وما لم تبرهن التجربة على ذلك لا يمكن أن تعتبر تلك المعطيات عطاء للقضية الفلسفية ولو بصورة غير مباشرة.

وهذا القول ليس إلا تكرارًا من جديد للمذهب التجريبي, وما دمنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت