فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 262

عند الآخرين, فما هو موجود في رايهم يؤمن (باركلي) بوجوده أيضًا ولكن على طريقته الخاصة في تفسير الوجود, التي تعني ان وجود الشيء عبارة عن وجوده

في ادراكنا ـ أي ادراكنا له.

ويعترض بعد ذلك سؤال بين يدي (باركلي) هو اذا كانت المادة غير

موجودة فمن اين يمكن اذن ان ناتي بالاحساسات التي تنبثق في داخلنا كل

لحظة, من دون ان يكون لارادتنا الذاتية تاثير في انبثاقها وتتابعها؟.

والجواب عند (باركلي) جاهز وهو ان الله نفسه يبعث تلك الاحساسات

فينا.

وهكذا انتهى (باركلي) من مطافه الفلسفي وقد احتفظ لنفسه بحقيقتين

الى جانب الادراك: احداهما العقل (الذات المدركة) , والاخرى هي الله

(الحقيقة الخلاقة لاحساساتنا) .

وهذه النظرية تلغي مسالة المعرفة الانسانية ودراسة قيمتها من ناحية

موضوعية إلغاء تامًا, لأنها لا تعترف بموضوعية الفكر والادراك ووجود شيء

خارج حدودهما.

وينتاب المفهوم المثالي عند باركلي شيء من الغموض قد يجعل من الممكن

ان يقدم له عدة تفسيرات, تتفاوت مفاهيمها في درجة مثاليتها وتعمقها في

النزعة التصورية. ونحن ناخذ اعمق تلك المفاهيم في المثالية وهو المفهوم المثالي البحث, الذي لا يعترف بشيء عدا وجود النفس المدركة والاحساسات والادراكات التي تتتابع في داخلها, وهذا المفهوم هو الذي يشع من اكثر بياناته الفلسفية وينسجم مع الادلة التي حاول اثبات مفهومه المثالي بها, وتتلخص

الادلة على هذا المفهوم فيما يأتي:

الدليل الاول: ان جميع الادراكات البشرية ترتكز على الحس وترجع

اليه, فالحس هو القاعدة الرئيسية لها, واذا حاولنا اختبار هذه القاعدة

وجدناها مشحونة بالتناقضات والاخطاء. فحاسة البصر تتناقض دائما في رؤيتها للاجسام عند قربها وبعدها, فهي تدركها صغيرة الحجم اذا كانت بعيدة

عنها, وتدركها بحجم اكبر اذا كانت قريبة منها, وحاسة اللمس هي ايضا

تتناقض, فقد ندرك بها شيئا واحدا ادراكين مختلفين, ويوضح باركلي بعد ذلك فيقول: اغمس يديك في ماء دافئ بعد ان تغمس احداهما في ماء ساخن

والاخرى في ماء بارد, أفلا يبدو الماء باردا لليد الساخنة وساخنا لليد الباردة؟

فهل يجب اذن ان نقول عن الماء انه ساخن وبارد في نفس الوقت؟! او ليس

هذا هو الكلام الفارغ بعينه؟! واذن فلتستنتج معي ان الماء في ذاته لا يوجد

كمادة مستقلا عن وجودنا, فهو ليس سوى اسم نطلقه نحن على إحساسنا,

فالماء يوجد فينا نحن. وفي كلمة واحدة, المادة هي الفكرة التي نضعها عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت