فالقرن الثامن عشر يمثل صحوة الضمير الانساني في الفكر الأوربي علمًا بأن أغلب مفكري عصر الأنوار - إن لم نقل جميعهم - قد تناولوا الإسلام، والفكر الاسلامي، والحضارة العربية الإسلامية في كتبهم؛ يدل على ذلك كثرة إحالاتهم -كما لاحظ ذلك د.حسن حنفي-، مما يشير إلى مدى حضور الفكر الإسلامي، والحضارة العربية الإسلامية، ومدى استلهام أولئك المفكرين لمنجزاتها، لايضير في ذلك تلك الأحكام القاسية- والظالمة غالبًا- التي كانوا يطلقونها، بتأثير الأفكار المسبقة، التي أوقعتهم في كثير من الحالات، بتناقضات خطيرة، كانت وراء إصدار الأحكام والأراء التي لاتتسق مع منطق بحثهم ذاته... مع الانتباه إلى أن المفكرين الغربيين لم يروا من الشرق إلا ما أراد هذا الشرق أن يبديه لهم، أو بالأحرى ما أرادهم أن يبحثوا عنه فيه، بعملية اصطفائية"غير علمية ولا موضوعية". وفي الحالين أنشأ هؤلاء صورة للشرق إنشاء يعتمد على ما ترسب في الذاكرة الجمعية الغربية من مقولات، وعلى ما صنعه الخيال الشعبي من تصورات، شكلت الفضاء لمجمل الأفكار الغربية، وشكلت بالتالي أداة ضغط لم يستطع المفكرون الغربيون الفكاك من إسارها، أو التحرر من ربقتها. وهكذا كان هؤلاء يرون ما أسقطه اللاوعي عندهم، أكثر مما يرون في باصرتهم، ويقومون بعملية انتقائية فجة لما جاؤوا يبحثون عنه.... فالشرق عند بعضهم موطن الحكمة.... وبلاد شهرزاد... شهريار... وسندباد، وشعبه مجموعة من الشعراء... والحكماء... والفلاسفة.... وعند آخرين بلاد التخلف... والجمود... والسكون.... وشعبه مجموعة من المتعصبين، المحبين للعنف، الكسالى.... وفي الحالين- وكما يبدو واضحًا- فإن الشرق عبارة عن عناصر مشتتة، منمطة، لارابط بينها، تمثل لحظات معزولة من سياقها الموضوعي ، لخدمة الأفكار المسبقة التي تتحكم بهؤلاء الباحثين وبابحاثهم.