فنتيجة تطور وسائل الانتاج، وعجز السوق المحلية الأوربية عن تصريف السلع، وعجز الموارد المتاحة أوربيًا عن تقديم ما يكفي لتشغيل المصانع، بدأ رجال الأعمال، والرأسماليون المسيطرون، يتطلعون خارج الحدود، وكانت بلادنا الأقرب لمرمى أبصارهم، والأكثر إغراء، لأسباب مادية بالأساس، وإن حاولوا طمسها ببعض الرواسم المعنوية، أو فلنقل انهم حاولوا أن يجعلوا الأسباب المادية تتناغم مع عوامل معنوية مترسبة في أعماق الوجدان الأوربي منذ قرون طويلة. وقد أحسن القادة الغربيون"على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم وتوجهاتهم، العزف على هذا الوتر، في سبيل تجييش الجيوش، وحشد الأنصار، وزج شذاذ الآفاق والمغامرين ، في خدمة مصالحهم المرة بعد المرة، ليست حروب الفرنجة"الحروب الصليبية"أولها... ولا عاصفة الصحراء آخرها."
وإذا كان التقدم التكنولوجي المذهل، قد وضع في يد الغرب امكانية تشكيل العالم، وإعادة ترتيبه، بما يتناسب مع المصالح الذاتية لهذا الغرب، لاسيما من خلال وسائل الاتصال الحديثة، التي تصب على رؤوس الشعوب، شلالًا متدفقًا من القيم، وأنماط السلوك (الاستهلاكي) ، والتي تحاول أن تشكك بأهمية القيم السائدة، بل إنها تعمل على تسفيهها، باعتبارها قيمًا بالية، لاتتمشى مع التقدم ومع الحضارة. كل ذلك جعل العالم يعيش في هذه الآونة، أكثر من أية مرحلة سابقة، ما يمكن أن نسميه زمن المواجهة الحاسمة بين الحضارات، حيث تعمل الحضارة الغربية، وبنموذجها الأميركي الصارخ، بصفتها الحضارة المسيطرة والمستبدة، على الإطاحة بالحضارات المغايرة، ومحاولة استيعابها، ومحاصرتها، والعمل على إفنائها، وتبديدها ـ إن أمكن-.