-كان الجد على حق، فالخال فرحان سحره في تلك الأيام حبر الزعفران، ذلك الحبر الأصفر المثير الذي يكتب به العرافون أدعيتهم وحجاباتهم. وحصل عن طريق زكية على الكثير من هذه الأوراق المكتوبة بحبر الزعفران. وسهر ليالي طويلة محاولًا فك رموزها وطلاسمها، ولكن بلا طائل.
توقف العم كمال ثانية ليقول:
-وإذا كان الخال فرحان قد بطش بالجميع بعلومه ومهاراته التي تعلمها من الغجر، فلقد جاء من يبطش به...
-كيف؟
-تحول حبر الزعفران إلى هاجس قاتل لديه. وفي صباح أحد الأيام تسكع في سوق الخضروات، وهناك لفتت نظره جمهرة من الناس، وحين اقترب رأى وسط هذه الجمهرة رجلًا ذا لحية يحمل بيده ورقة طويلة، ورسم في أعلاها عقرب وأفعى. والتمعت عينا الخال فرحان حين رأى الكتابة بحبر الزعفران. كان الرجل يخطب بصوت رخيم:
-هذا حجاب مضاد للعقرب والأفعى.
ثم أخرج من جيبه قطعة صغيرة من الحلوى، وعلق:
-تأكل هذه القطعة من الحلوى، وتضع هذا الحجاب في جيبك، وسيكون بمقدورك أن تمسك الأفعى دون أن تلدغك، وكذلك العقرب، وكل هذا بدرهم.
وتفجرت في صدر الخال فرحان كل الرغبات للمعرفة. دفع الدرهم وأخذ الحجاب وقطعة الحلوى التي مضغها أمام الجميع. وفي البيت انكب هو وزكية على فك الرموز التي يمكن أن تكون كامنة وراء الحروف المكتوبة بحبر الزعفران، وشعرا بالصداع دون أن يتوصلا إلى شيء ذي أهمية. وتشاء الأقدار أو المصادفات أن تخرج عقرب بعد ثلاثة أيام من هذه الأحداث، وركضت زكية وراءها وبيدها فردة نعلها، فصرخ بها الخال فرحان:
-أيتها الحمقاء ماذا تفعلين؟.. وكيف أجرب قوة الحجاب إذن؟
نظرت زكية إليه بخوف، لكنه اندفع وراء العقرب وأمسكها رافعًا إياها من الأرض، وفجأة، أطلق صرخة مرعبة. قتلت زكية العقرب بفردة نعلها، وتجمع سكان البيت حول الخال فرحان الملدوغ الذي لجأ إلى أعشابه الطبية، وأمضى تلك الليلة ينوء بألم لم ينسه أبدًا. في الصباح الباكر انطلق إلى السوق، إلى ذلك الغشاش ذي اللحية لينتقم منه، بيد أنه عاد بسرعة. وسأله الجد:
-هل عثرت عليه؟
-نعم.
-هل أشبعته ضربًا؟
-لا.
-إذن، ماذا فعلت؟
فأجاب الخال فرحان بحزن:
-قلت له العقرب لدعتني، فأخبرني أن هذه العقرب أنثى بالتأكيد.
-أنثى؟
-نعم.. لأن الحجاب الذي باعني إياه كان مضادًا للذكر.
وانفجر الجد:
-ولو رأيت عقربًا مرة أخرى فكيف تعرف أنه ذكر أو أنثى؟