-انتظر وسترى كم من الأمور سارت بمنوال لم يصدقه أحد.. حين عاد الخال فرحان كان الجميع يفترض، بمن فيهم أفراد عائلة الجد، إنه يجيد الآن الغناء والنقر على الدف والطبلة والعزف على الآلات الموسيقية، بيد أن الخال ألحق بهم خيبة كبيرة، عندما اكتشفوا أنه يجهل كل شيء عن هذه الأمور، وكان هذا مبعث ارتياح كبير للجد.. إلا أنه جعل الجد يقف على رجل واحدة حين عرف أن ابنه تعلم من الغجر صناعة الأسلحة والسكاكين والسيوف وطلاقات الرصاص، كما تعلم صناعة الأسنان الذهبية وقراءة الطالع والحلاقة وفن التداوي بالأعشاب... ودق الجد على صدره زاعقًا:
-أي خليط عجيب هذا الذي تعلمه هذا الحمار الذي هو ابني؟
لكن الخال فرحان أثبت جدارة فائقة في كل هذه الأمور، وبات يشفي أمراضًا مستعصية بأعشابه، وزين الكثير من الأفواه لرجال ونساء بالأسنان الذهبية، وصنع أسلحة رائعة كادت تزهق أرواح الكثيرين. وإذا كان الجميع قد بجلوه بنظرات الإعجاب فإن الجد هو الوحيد الذي كان ينظر إليه بريبة... وفي منتصف إحدى الليالي سحبه من فراشه ورماه أرضًا:
-أنا لن أصبر طويلًا على هذه الأمور التي تقوم بها والتي تجعلني أبدو مثل الأبله.. إن خير علاج لك هو الزواج، وغدًا ستفعل ذلك.
لم يعترض الخال فرحان، إذ يبدو أنه هو الآخر بحاجة إلى زوجة صالحة. وخلال أيام قلائل تزوج من ابنة عمه زكية. توقع الجميع أن زكية ستجعله يهجر ماتعلمه من الغجر ويعمل حلاقًا فقط، إلا أن الأمر سار في اتجاه معاكس، حيث تحولت زكية إلى معتوهة مثله، وعندئذ تعاون فرحان وزكية على تحطيم نصف أثاث البيت جراء التجارب التي يقومان بها، وأخيرًا طردهما الجد، إذ كان سقف البيت يطير في الفضاء بسبب تجربة انتهت بانفجار عنيف. ثم اضطر أن يقبلهما مرة أخرى بسبب تلك الحماقات المدوية بالانفجارات والنيران التي يحدثانهما تحت سقوف بيوت الآخرين الذين سرعان ماكانوا يلجأون إلى طردهما متنازلين عن مبالغ الإيجار. فجأة، ركن الخال فرحان إلى الهدوء تاركًا تجاربه المليئة بالضجيج. والحق أقول أن الفرح غمّر العائلة إلا الجد الذي كان يتوقع مصيبة جديدة لا يعرف من أين ستخرج رأسها.
توقف العم كمال عن حديثه، ثم واصل بعد أن سلك بلعومه: