فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 58

ودارت المراوح السقفية بأقصى سرعتها.. المؤمنون بأن المطر هو بخار الماء أسرعوا بفتح مظلاتهم، فالمطر ساقط لا محالة، بيد أن الجميع كان يرتجف من البرد. ورأى الخال فرحان رغبتهم بالفرار من هذا الصقيع، عندئذ هتف بهم:

-اصبروا قليلًا فالعلم يحتاج إلى التضحية.

اختفى بخار كله ولم يسقط المطر. وهكذا آمن الجميع بأن المطر ليس بخار الماء.

وشكروا الخال فرحان، لأنه بتجربته هذه أزال الغشاوة عن عيونهم، إلا أن المؤكد أن نصف الحاضرين أو أكثر بقليل أصيب بالزكام الحاد.

فجأة أطلق العم كمال ضحكة مجلجلة، وأضاف خلال ماكان يضحك:

-خالك فرحان أصاب المدينة بالدهشة والحيرة. لكنه سلك يومًا سلوكًا جعل عائلة جدك تشعر بالعار.

قاطتعه:

-يا عم..

وقاطعني:

-اسمع ولا تعترض.. لقد حلت المصيبة عندما استيقظت مدينتنا يومًا على قبيلة من الغجر ضربت خيامها في أطراف المدينة وراء المقابر. تلك القبيلة كانت صنعتها الغناء والطرب، وعندئذ هرول إلى تلك الخيام المتهتكون والفاسقون، وهرول معهم خالك فرحان الذي لم يكن يميل يومًا إلى الغناء والطرب. وعرف أشقاؤه بذلك، غير أنهم تضامنوا على كتمان الأمر خوفًا من أن يسمعه الجد الذي كان كفيلًا بأن يمسمر الخال فرحان على الجدار. وخلال أيام قلائل حدثت مشاجرات عنيفة كاد يذهب ضحيتها الكثيرون، عندئذ أجبرت السلطات قبيلة الغجر على الرحيل. ولقد رحل الخال فرحان معهم... أنت سمعت بذلك؟ فأجابت بتسليم:

-نعم.

-أصيب الجد بالكمد، ولم يسلم أحد من عصاه، فقد ضرب الجميع، رجالًا ونساء، كبارًا وصغارًا، وقال بصوته الذي شابه الرعد:

-كنت سأفخر به لو عمل مع اللصوص وقطاع الطرق، أما أن يعمل مع الغجر.. مع الغجر؟..أي مخلوق هذا الذي خرج من ظهري؟

مرت أكثر من ثلاث سنوات بدون أخبار عن الخال فرحان. ثم ظهر فجأة في باب البيت... ومعه دخلت الدهشة إلى بيت الجد. لم يصدق أحد أن الذي يقف الآن في باحة البيت هو الولد الغائب فرحان.. الذي صدق فقط هو الجد الذي كسر أكثر من عصا عليه. المهم أن الولد التائه عاد إلى حظيرة العائلة التي سرعان ما غفرت له ذلك العمل المشين مرة أخرى غرق العم كمال بضحكته المجلجلة، فسألته:

-ما الأمر يا عم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت