فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 58

-أزوجه لكي يأتيني بقطيع من الحمير؟.. ألا يكفيني حمار واحد؟ وهكذا تركت الحرية للخال فرحان لكي يعوم ويغطس في شروده اللانهائي... وخلال ذلك لم يتعلم مهنة معينة، على الرغم من أنه عمل مع نجارين وحدادين وحلاقين وباعة خضروات. كان لايمكث كثيرًا مع أي واحد من هؤلاء.. هو يمكث؟.. لا.. إنما كانوا يطردونه شر طردة بسبب حماقاته، أو أسئلته التي تجعلهم يفغرون أفواههم بلا إرادة منهم.

انقطع العم كمال عن حديثه ليسألني:

-أتعرف أن خالك فرحان قرر يومًا أن يكون عالِمًا كبيرًا؟

قلت والألم يعصر قلبي:

-كفاك سخرية من أخوالي ياعم.

-أيها الوغد أنا لم أسخر من أحد.. إنني أقص عليك ما حدث.. لتسمع.. قرر خالك فرحان أن يكون عالمًا كبيرًا.. عالمًا وسيلته التجربة وليس الكلام، والغريب أن العديد من إخوته ومعارفه تحمس له حين لمس غزارة المعلومات التي بحوزته، وعلق الجد عندما أخبروه بذلك:

-من؟... ماذا؟.. فرحان سيكون عالمًا؟... لو استطاع أي حمار في هذه المدينة أن يقرأ ويكتب، عندئذ سأصدق هذه الدعوى.

بيد أن الخال فرحان لم تثبط عزيمته، وكان قراره الأول في حقول العلوم الطبيعية أن يثبت بالتجربة أن المطر ليس بخار الماء...

-ماذا؟

وكشر العم كمال قائلًا:

-لا تصرخ أيها الوغد... كان هذا قرار خالك فرحان الذي اختار مقهى شامل أحمد مكانًا لتجربته. ولقد حضر إلى المقهى بعض أخوالك وأبنائهم، والعديد من سكان المحلة... ويبدو أن البعض من أولئك السكان كان يؤمن إيمانًا لا يرقى إليه الشك أن المطر هو بخار الماء، لذلك جلبوا معهم المظلات اتقاء للمطر الذي سيسقط من فضاء المقهى... وحين رأى خالك جبار تلك المظلات تساءل بخوف:

-ماذا؟.. هل تمطر علينا ونحن داخل المقهى؟

فأجابه الخال فرحان:

-أنا الذي سيثبت العكس.

لقد أجرى تلك التجربة التي ظلت المدينة تتحدث عنها طويلًا، في يوم شتائي قارس البرد.. أجبر الجالسين أن يلتصقوا بجدران المقهى التي ملأ ساحتها بقدور كبيرة تحوي مياهًا تغلي، وتطلق بخارًا كثيفًا... قال للجالسين بلهجة ساخرة:

-يقولون أن بخار الماء يصعد إلى الأعلى، وحين يلامس طبقة هواء باردة، فإنه يتكاثف ويسقط على شكل قطرات ماء... هذه القطرات هي المطر. ثلثا الموجودين في المقهى صعقوا لهذه المعلومات، وواصل الخال:

-ها هو البخار قد ملأ سماء المقهى،وإذن، سنحرك المرواح لنخلق طبقة هواء باردة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت