كنت أجلس مع العم كمال في غرفة بالطابق العلوي من بيته. لم يعد العم كمال ذلك الشاب الوسيم الذي تهز ضحكته جدران بيتنا العتيق.. هو الآن، يبدو غريبًا علي بشعره الفضي وتجاعيد وجهه. لقد ودع شبابه منذ زمن بعيد، مثلما ودعت طفولتي، لتقذفني الحياة في أشد الدروب وعورة. ها نحن نلتقي بعد كل هذه السنين، فما الذي سيصنعه العم كمال لكي يعيدنا نحن الاثنين إلى بيتنا العتيق في مدينتنا الجنوبية؟
يبدو أن الشيخوخة لم تهدم روح العم الصلبة، ففي هذا الوقت الذي ليس شتاء، قرر العم كمال أن
يعيدني -عبر حكاياته- إلى الأزمنة التي تصرمت على دروب مدينتنا الصغيرة.
قال العم كمال بصوت الشيخ الرخيم:
-سأقص عليك حكايات أبطالها من عائلتك أيها الوغد.
-ماذا؟
-لا تعترض.. حسن.. كان جدك لأمك رجلًا عجيبًا.. كنت صغيرًا لكي تتذكره جيدًا. كان قوي الشكيمة ولا مباليا ومرحًا إلى حد اللعنة... كان هو وأولاده وبناته وأحفاده يشكلون قبيلة غريبة، هي خليط من قديسين وقطاع طرق.. كم لديك من الأخوال؟... اثنا عشر؟
-ثمانية عشر.
-وخالاتك؟.. إنني أذكر عددهن جيدًا... كن خمس عشرة.
-بل إحدى عشرة.
وانفجر العم كمال:
-هل تكذبني؟ ... كن خمس عشرة.
-وكيف تأتيني بأربع خالات لا وجود لهن؟
-حسن.. إحدى عشرة إحدى عشرة.
في هذه اللحظة، تمنيت أن تكون أمي موجودة، أو في الأقل أبي لكي يوصم حكاياته بالأكاذيب، وبأن هذا العم أكبر كذاب في طول البلاد وعرضها. شعرت أن حكايته هذه، وكذلك حكاياته القادمة ستكون سلسلة من الفضائح التي ستلتصق بعائلة أمي. حاولت الفرار، لكنه قطع الطريق علي.. قال:
-لقد جعلت من عمومتك أضحوكة بحكاياتي التي تلاعبت بها. الآن، سأقص عليك حكايات عن أخوالك، حكايات تصدر عن ضمير حي وليس عن ضمير ميت كضميرك أيها الوغد.
يبدو أننا وصلنا إلى حافة حرب الضمائر..
-بماذا تهمهم؟
-بلا شيء يا عم.
نظر العم كمال في عيني مباشرة، ثم قال:
-إنك لتعرف أين يقع بستان جدك.. إنه في الجانب الآخر من نهر دجلة. في ذلك الوقت، لم تكن هناك بيوت في ذلك الجانب.. بساتين على امتداد الضفة. أما في الجانب الآخر فقد كانت المدينة. وقد قرر جدك القدوم إلى المدينة تاركًا البستان لأولاده الذين سرعان ما تبعوه الواحد بعد الآخر، ليحتلوا زقاقًا بأكمله في محلة السرية. في هذا الزقاق الذي هو زقاقنا كما تعرف توالدوا مع زوجاتهم بسرعة عجيبة..
-يا عم..
-هذه هي الحقيقة، ولا تقاطعني مرة أخرى.