فهرس الكتاب
وحكم بين الزبير ورجل من الأنصار، فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك؟ يعني أن الزبير ابن عمتك صفية فحكمت له؟ فأنزل الله: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما (65) } النساء. فكفى بالله شهيدا على عدل رسوله وصدق أحكامه وصحة قضائه:
وإذا حكمت فلا ارتياب كأنما ……جاء الخصوم من السماء قضاء
فهو مؤسس العدل في العالم، وهادم صرح الظلم، واعترف بذلك العدو والصديق والكاره والمحب.
وقس على ذلك أخلاقه الشريفة التي دعا إليها وكان أول عامل بها، فصدّق فعله قوله وباطنه ظاهره، وجوارحه قلبه.
وأما جمال ظاهره صلى الله عليه وسلم فهو عنوان كتاب قيمه المثلى، وبوابة قصر محاسنه الجلّى، فكان أجمل الناس وجها وأبهاهم محيّا، وأزهرهم جبينا وأنورهم طلعة، رقيق البشرة طيب الرائحة، زكي الشذا. عرقه كالجمان، وأنفاسه كالمسك، يقول أنس: ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكا ولا عنبرا أزكى من رائحته. أخرجه البخاري 3561 ومسلم 2330. يصافحه الرجل فيجد آثار الطيب في كفه أياما عديدة من أثر مصافحته:
ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه ………من المسك كافورا وأعواده رندا
وما ذاك إلا أن هندا عشية ………تمشّت وجرت في جوانبه بردا
وكان صلى الله عليه وسلم حيّ العاطفة جيّاش الفؤاد، يضحك للنادرة ويهش للدعابة، ويتأثر للموقف ويبكي رحمة، ويلين شفقة ويمتلئ خشية، إذا سالم فأوفى الأوفياء وأكرم الأصدقاء، وإذا حارب فأعتى من الرياح النكباء وأمضى من الصعدة السمراء، وإذا أعطى فأجود من تحت السماء وأسخى من شربة الماء، وإذا رضي ملأ القلوب سعادة وعمر المجلس حفاوة، وإذا غضب في الحق كان أمضى من السيف حسما، وأقوى من الأيام حزما.