فهرس الكتاب
في صلح الحُديبية
لمّا صدّت قريشٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين ـ رضي الله عنهم ـ عن البيت الحرام، عقد معهم صُلْحا. وكان من قواعد الصلح: من أتى محمدا صلى الله عليه وسلم من قريش من غير إذن ولِيِّه ـ أي هاربا منهم ـ ردَّه عليهم، ومن جاء قريشا ممّن مع محمد صلى الله عليه وسلم ـ أي هاربا منه ـ لم يُردّ عليه.
هذا الشرط الذي أغضب المسلمين. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنّه من ذهب منّا إليهم فأبعده اللهُ". وقال صلى الله عليه وسلم:"ومن جاءنا منهم سيجعلُ اللهُ له فَرَجَا ومَخْرَجا". صحيح مسلم/ باب صلح الحديبية.
هذا الشرط، وإنْ كان مظهر الاعتزاز لقريش، لكنّه في الحقيقة يُنْبِئ عن شدّة انزعاج قريشٍ وهلعهم وخَوَرِهم، وعن شدّة خوفهم على كيانهم الوثنيّ الذي بات على شفا جُرُفٍ هار.
وأمّا رسول الله فوضع هذا الشرط ... وما كان يخشى من مثل هذا الشرط. فلمّا قال له عمر بن الخطّاب: ففيمَ نُعْطِي الدَنِيّة في ديننا؟! قال:"يا بن الخطاب، إنّي رسول الله ولستُ أعصيه، وهو ناصري ولنْ يُضِيّعني أبدا".
وقد تَفَلَّتَ أبو بصير ـ وكان يُعَذّب في مكّة بعد إسلامه ـ من قريش، فأتى المدينة. فأرسلت قريش رَجُلَيْن في طلبه، فدفعه إليهما، فخرجا به حتّى بلغا ذا الحُلَيْفة (ما يُعْرَف بآبار عليّ اليوم) ، فأخذ أبو بصير سيفَ أحدهما وقتله، وفَرَّ الآخر. فجاء أبو بصير وقال: يا نبيّ الله، قدْ واللهِ أوْفَى اللهُ ذمّتَك، قد رددتني إليهم، ثمّ أنجاني الله منهم. قال رسول الله:"ويل أمّه، مِسْعَرَ حَرْبٍ لو كان له أحد". فلمّا سمع ذلك عرف أنّه سيردّه إليهم. فخرج حتى نَزَلَ العِيْصَ من ناحية ذي المَرْوَة على ساحل البحر، بِطَرِيْقِ قريش التي كانوا يأخذون عليها إلى الشام. وسمع بذلك المسلمون الذين كانوا احتبسوا بمكّة، فخرجوا إلى أبي بصير، فاجتمع إليه منهم قريب من سبعين رجلا، حتى صار لهم شأن؛ فما يسمعون بِعِيْر (قافلة) خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها.
فأرسلت قريشٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرَّحِم لَمَا أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمِنْ. فأرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم، فقدموا عليه المدينة.