فهرس الكتاب
فلمّا انتهى إليهم، وأخبروه الخبر، طلب رداءً فوضع الحجرَ وسطه، وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يُمْسكوا جميعا بأطراف الرداء وأن يرفعوه، ووضعه مكانه بيديه الشريفتين. وكان هذا من حكمته صلى الله عليه وسلم، فانتهت المشكلة، ورضي القوم كلّهم بذلك.
إطفاء نار الفتنة بين الأوس والخزرج رضي الله عنهم أجمعين.
فيما ذكره ابن اسحاق: أنّ اليهوديّ شاس بن قيس، مرّ على ملأ من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج، فغاظه ما رأى من تآلفهم ووحدتهم وصلاح ذات بينهم بعد الإسلام. فأرسل إليهم من جلَس بينهم وصار يُذكّرهم بيوم بُعاث وأيامهم في الجاهليّة وما قيل فيها من شِعْر، حتى صاروا يتفاخر بعضهم على بعض، إلى أن عملت فتنة اليهوديّ فيهم فعلتها، فتواثبوا وامتشقوا السلاح واصطفوا للقتال ... فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه من المهاجرين حتى جاءهم، فقال:"يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهليّة وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به؟! وقطع به عنكم أمر الجاهليّة، واستنقذكم من الكفر، وألَّف بين قلوبكم؟!". فعرف القوم أنّها نزغة من الشيطان، وكيد عدوّهم، فبكوا، وعانق بعضهم بعضا، ثمّ انصرفوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، بعد أن مَنّ الله سبحانه وتعالى بإطفاء نار الفتنة على يد النبيّ صلى الله عليه وسلم.
معالجته قول المنافقين: لئن رجعنا إلى المدينة ليُخْرِجَنَّ الأعزّ منها الأذلّ
وذلك عندما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم والمسلمون رضي الله عنهم يقيمون على ماء المُرَيْسِيع بعد الفراغ من غزوة بني المصطلق، وحَدَثَ ازدحام على الماء، وكاد بعضهم أن يُشعل فتنة. فكان من زعيم المنافقين عبد الله بن أُبيّ بن سلول أن قال: أما والله، لئن رجعنا إلى المدينة ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. فبلغ قولُه النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وعنده عمر بن الخطّاب رضي الله عنه. فقال عمررضي الله عنه: مُرْ عبّاد بن بشر فَلْيَقتله. فقال:"فكيف يا عمر إذا تحدّث الناسُ أنّ محمّدا يقتل أصحابه؟ لا. ولكن أذِّنْ بالرحيل"، وذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها، ثمّ مشى بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثمّ نزل بالناس، فلم يلبثوا أنْ وجدوا مسّ الأرض فوقعوا نياما. فَعَلَ ذلك ليشغل الناسَ عن الحديث.