فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 734

ولقد تبين فيما سبق أن المناسب المرسل في مسلك المناسبة ليس مرسلًا بإطلاق وإنما هو يرجع إلى المعتبر، فلماذا التفريق بينهما وعدم عد الاستدلال من قبيل القياس؟ بتعبير آخر، كيف يقال عن المعنى المناسب المعتبر في الاستدلال والذي يربط الحكم به، إنه لا يشهد له أصل، بينما يقال إنه أي المعنى جارٍ في أحكام كثيرة، ألا يمكن أن يعد واحدٌ من هذه الأحكام أصلًا، ويعد الوصف أو المعنى المناسب فيه علة، ويكون الأمر من قبيل القياس؟

والجواب: نعم إن الاستدلال يقوم على التعليل بوصف مناسب، ولكنه يختلف عن مسلك المناسبة في أن هذا المعنى ليس مأخوذًا من حكم محدد بعينه. فلو ارجعناه إلى حكم معين لكان قياسًا. ولكن عند ادعائه وصفًا مناسبًا في حكم معين لا يثبت، فقد يكون هناك في الحكم أوصاف أكثر مناسبة منه، فلا يصح تعليل الحكم بهذا المعنى وترك ما هو أكثر منه مناسبةً، وهكذا في سائر الأحكام. ولهذا قيل: لم يشهد له أصل بعينه. بينما المعنى المعتبر في الاستدلال، وإن كان وجوده أو قوة مناسبته أضعف من غيره في كل حكم على حدة، فإن كثرة وجوده في الأحكام تؤدي الى قوة في اعتباره، وقد تجعله أصلًا أو قاعدة في التشريع، وليس مجرد علة في الحكم. فعند النظر في أحكام عديدة، يلاحظ أنه غير موجود بعينه في واحدٍ معينٍ منها، ولكن يشعر الناظر بكونه أصلًا أو متحققًا في هذه المعاني بتضافرها. لهذا لم يرجع الاستدلال إلى القياس أو إلى مسلك المناسبة، وإن كان يقوم على التعليل لأنه فقد أحد أركان القياس وهو الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت