فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 734

قال الجويني:"ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنهما إلى اعتماد الاستدلال وإن لم يستند إلى حكم متفق عليه في اصل ولكنه لا يستجيز النأي والبعد والإفراط وإنما يسوّغ تعليق الأحكام بمصالح يراها شبيهة بالمصالح المعتبرة وفاقًا وبالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول قارة في الشريعة" [1] .

وقال الغزالي:"كل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي عُلم كونه مقصودًا بالكتاب والسنة والإجماع فليس خارجًا عن هذه الأصول لكنه لا يسمى قياسًا بل مصلحة مرسلة. إذ القياس أصل معين وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة، وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف فيها، بل يجب القطع بكونها حجة" [2] .

وكمثال على ذلك فإن معنى حفظ المال وإن لم يشهد لعينه حكم معين - عند بعض الناظرين - فهناك أحكام كثيرة ترجع معانيها إلى عموم هذا المعنى. فالنهي عن السرقة، والقطع فيها، والنهي عن النهب والاختلاس والغش، وعن الخيانة في عمل الشركاء، وعن الإسراف والتبذير والحجر على السفيه، والنهي عن الغلول وعن أكل المال بالباطل، والحث على أداء الأمانات وعلى تعريف اللقطة وغير ذلك، كله يمكن أن يدل على هذا المعنى العام وعلى كونه معتبرًا في هذه الأحكام. وهذا أقوى من الاستناد على حكم تحريم السرقة - مثلًا - للقول بحفظ المال علة من قبيل الإخالة والمناسبة في مسلك المناسبة. ولذلك جعلوا حفظ المال أصلًا يلاحظ ويستند إليه في التشريع. وفيما يلي بيان حجج كل من الفريقين على القول بالمناسب وبالاستدلال، وعلى ردهما.

أدلة القائلين بالمناسبة وبالاستدلال:

(1) المصدر نفسه، 2/721. فقرة: 1130.

(2) الغزالي، المستصفى. 1/311.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت