فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 734

إن احتدام الجدال بين الآخذين والرادين لمسلك المناسبة وللاستدلال قد أدى إلى بروز فكرة مقاصد الشريعة وإلى بلورتها. وألخص فيما يلي أدلة القائلين بهما ثم أوثقها من نصوص الأئمة وأبين بعد ذلك ردود الرادين ليتبين كيف خرجت فكرة المقاصد. وفيما يلي أدلتهم بإجمال:

1 ـ قالوا بعدم كفاية النصوص ومعانيها للمسائل والوقائع. وأنه لا تخلو واقعة عن حكمٍ لله تعالى معزوٍّ إلى شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - . ولذلك يجب تعليل الأحكام، ولذلك فالأصل في الأحكام التعليل، وهذا يلزم بالتعليل بالمناسب، ويلزم بالاسترسال المنضبط في تتبع المعاني. فما لا تثبت علته بمسالك النص والإجماع والتنبيه والإيماء، فإذا لاح فيه المعنى المناسب وجب التعليل به ما لم يُلغَ أو يُعَارض.

2 ـ قالوا بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسترسلون في فهم المعاني المصلحية، وتبعهم في ذلك مَن بعدهم، من غير وضع ضوابط لما يُتَّبَع ولما لا يُتَّبَع من المعاني. فدل هذا على حجية هذا الاسترسال، شريطة أن تكون هذه المعاني والمصالح متلقاةً من موارد الشريعة. فالدلالة قائمة في فعل الصحابة.

3 ـ وقالوا بأن الأوصاف والمعاني المناسبة، وما في معناها، أو القريبة منها، هي مما يتعلق الظن بعليتها. والأحكام الشرعية إنما تؤخذ بالظن، فيكون التعليل بالمناسب شرعيًا، وكذلك الاستدلال. وفيما يلي النصوص الدالة على ذلك:

قال الجويني:"وأما الشافعي فقال: إنا نعلم قطعًا أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى" [1] . وقال:"إن الأئمة السابقين لم يُخْلوا واقعةً على كثرة المسائل وازدحام الأقضية والفتاوى عن حكم الله تعالى... وعلى هذا علمنا بأنهم - رضي الله عنهم - استرسلوا في بناء الأحكام استرسالَ واثقٍ بانبساطها على الوقائع متصدٍّ لاثباتها فيما يعنٌ ويسنح متشوِّفٍ إلى ما سيقع" [2] .

(1) الجويني، البرهان. 2/723، فقرة: 1133.

(2) الجويني، البرهان. 2/723، فقرة: 1133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت