وقد وجد المحرفون باسم التجديد والتطوير فكرة المصالح والمقاصد، فاتكأوا عليها، فالشريعة إنما جاءت لمصالح العباد، فقلبوا الحقيقة، وبدل أن تكون: المصلحة حيث الشرع، زعموا أن الشرع حيث المصلحة. وصارت مقاصد الشريعة بديلًا عن الشريعة. وإذا قيل: يا قوم، الشريعةَ الشريعةَ! قال الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا - في أحسن الحالات: دعوكم من هؤلاء، فإنهم جامدون، لا يتطورون، ولا يجددون، ولا يفقهون الواقع، وإن في الشريعة أسرارًا وفي الدين أولويات وموازنات، وإذا واجهت هؤلاء نصوص القرآن والسنة، حاروا وداروا، وبحثوا ونقَّبوا، ثم اجتزأوا وقالوا. فكان مما قالوا: المصالح والمقاصد، الشاطبي وموافقات الشاطبي، الموافقات: رائعة الشاطبي، شيخ المقاصد. اجتزأوا ثم اجترأوا فقالوا: هؤلاء الذين يواجهوننا بالنصوص ما زالت تحكمهم عقدة النص، وأوهموا أنهم أهل فقه وأن غيرهم ظاهرية. أي جرأة هذه! وأي فقه هذا! وفيمن يسارعون!
نظر الباحث في هذه الأقوال والآراء.
المصالح، والمصالح المرسلة! لا بأس، فليكن، ولكن هذا الذي أتيتم به ليس مصالح، ولا مصالح مرسلة، إنها - في المصطلح الأصولي - مصالح ملغاة، منقوضة بالنصوص، فهي إذًا مفاسد.
المقاصد، مقاصد الشريعة! نعم، فليكن، ولكن هذا الذي أتيتم به ليس مقاصد الشريعة، إنها مقاصدكم، أو مقاصد مرضى القلوب. فأين في مقاصد الشريعة أن يصبح حفظ الدين هو حرية العقيدة، وحق تبديل الدين. وأين في مقاصد الشريعة إلغاء الشريعة، فتصبح الردة حقًا من حقوق الإنسان، ويصبح قتل المرتد جريمة. وهل في مقاصد الشريعة أن يكون النص: { وَحَرَّمَ الرِّبَا } [1] ويكون المقصد: الربا حلال، والزمان والمكان بذلك كفيلان!
وأين في مقاصد الشريعة أن يصبح حفظ المال معناه حرية الملكية، وحفظ العقل معناه حرية الرأي، وهل هذا في ديننا، نحن المسلمين؟
(1) سورة البقرة، 275.