الصفحة 18 من 133

وقال: قد فتح الله على في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن ، ومن أصول العلم بأشياء ، كان كثير من العلماء يتمنونها ، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن ، ثم إنه منع من الكتابة ، ولم يترك عنده دواة ولا قلم ولا ورق ، فأقبل على التلاوة والتهجد والمناجاة والذكر .

قال شيخنا أبو عبد الله ابن القيم: سمعت شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ، نور ضريحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخل جنة الآخرة قال: وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي ؟ أنا جنتي و بستاني في صدري ، أين رحت فهي معي ، لا تفارقني ، أنا حبسي خلوة . قتلي شهادة ، وإخراجي من بلدي سياحة .

وكان في حبسه في القلعة يقول: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة - أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير - ونحو هذا .

وكان يقول في سجوده ، وهو محبوس: اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، ما شاء الله .

وقال مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه ، و المأسور من أسره هواه .

ولما دخل إلى القلعة ، وسار داخل سوارها نظر إليه وقال: { فضرب بينهم بسور له باب ، باطنه فيه الرحمة ، وظاهره من قبله العذاب } (1)

قال شيخنا: وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشًا منه قط ، مع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف وهو مع ذلك أطيب الناس عيشا ، وأشرحهم صدرا ، وأقواهم قلبا ، تلوح نضرة النعيم على وجهه . وكنا إذا اشتد بنا الخوف و ساءت بنا الظنون ، وضاقت بنا الأرض: أتيناه ، فما هو إلا أن نراه ، ونسمع كلامه ، فيذهب عنا ذلك كله ،وينقلب إنشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة . فسبحان ما شهد عباده جنته قبل لقائه وفتح لهم أبوابها في دار العمل ،فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها ، والمسابقة إليها

مصنفاته:

(1) سورة /

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت