فهرس الكتاب
وكان نائب السلطنة غائبًا عن البلد ، فجاء الصاحب إلى نائب القلعة ، فعزاه به وجلس عنده ، واجتمع عند الشيخ في القلعة خلف كثير من أصحابه ، يبكون ويثنون ، وأخبرهم أخوه زين الدين عبد الرحمن: أنه ختم هو والشيخ منذ دخلا القلعة ثمانين ختمه ، و شرعا في الحادية والثمانين ، فانتهيا إلى قوله تعالى { إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر } . (1)
فشرع حينئذ الشيخان الصالحان: عبد الله بن المحب الصالحي ، والزرعي الضرير - وكان الشيخ يحب قراءتهما - فابتدأ من سورة الرحمن حتى ختما القرآن . وخرج الرجال ودخل النساء من أقارب الشيخ ، فشاهدوه ثم خرجوا ، واقتصروا على من يغسله ، و يساعد على تغسليه ، وكانوا جماعة من أكابر الصالحين وأهل العلم ، كالمزي وغيره ، لم يفرغ من غسله حتى امتلأت القلعة بالرجال وما حولها إلى الجامع ، فصلى عليه بدركات القلعة: الزاهد القدوة محمد بن تمام . وضج الناس حينئذ بالبكاء و الثناء ، و بالدعاء و الترحم .
وأخرج الشيخ إلى جامع دمشق في الساعة الرابعة أو نحوها . وكان قد امتلأ الجامع و صحنه ، و الكلاسة ، و باب البريد ، وباب الساعات إلى الميادين و الفوارة . وكان الجمع أعظم من جمع الجمعة ، ووضع الشيخ في موضع الجنائز ، مما يلي المقصورة ، و الجند يحفظون الجنازة من الزحام ، وجلس الناس على غير صفوف ، بل مرصوصين ، لا يتمكن أحد من الجلوس و السجود إلا بكلفة . وكثر الناس كثرة لا توصف .
(1) القمر / 54 ، 55