الصفحة 32 من 133

وكانت هذه المسألة قد أرسل بها طائفة من المعاندين المتجهمة ، ممن كان بعضهم حاضرًا في المجلس فلما وصل إليهم الجواب أسكتهم .

وكانوا قد ظنوا أبى إن أجبت بما في ظنهم أن أهل السنة تقوله ، حصل مقصودهم من الشناعة ، وإن أجبت بما يقولونه هم . حصل مقصودهم من الموافقة .

فلما أجيبوا بالفرقان الذي عليه أهل السنة ، وليس هو ما يقولونه هم ، ولا ما ينقلونه عن أهل السنة ، إذ يقوله بعض الجهال ؛ بهتوا لذلك .

وفيه:"إن القرآن كلام الله حروفه و معانيه ، ليس القرآن اسمًا لمجرد الحروف ، ولا لمجرد المعاني".

و لما جاءت مسألة القرآن ، فقلت:"ومن الإيمان به: الإيمان بأن القرآن كلام الله غير مخلوق ، منه بدأ و إليه يعود"- نازع بعضهم في كونه منه بدأ و إليه يعود . و طلبوا تفسير ذلك .

فقلت: أما هذا القول فهو المأثور الثابت عن السلف ، مثل ما نقله عمرو بن دينار قال:"أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق ، إلا القرآن ؛ فإنه كلام الله غير مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود"، وقد جمع غير واحد ما في ذلك من الآثار عن النبي صلى - صلى الله عليه وسلم - والصحابة و التابعين .

و أما معناه: فإن قوله"منه بدأ"أي هو المتكلم به ، وهو الذي أنزله من لدنه ، ليس هو كما تقوله الجهمية: إنه خلق في الهواء أو غيره ؛ أو بدأ من عند غيره .

وأما"إليه يعود"فإنه يسري به في آخر الزمان من المصاحف و الدور ، فلا يبقى في الصدور ، منه كلمة ، ولا في المصاحف منه حرف .

ووافق على ذلك غالب الحاضرين ، و سكت المنازعون .

وخاطبت بعضهم في غير هذا المجلس ، بأن أريته العقيدة التي جمعها الإمام القادر بالله التي فيها:"إن القرآن كلام الله ، خرج منه"نتوقف في هذا اللفظ .

فقلت: هكذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"و ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج عنه"يعنى القرآن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت