الصفحة 97 من 133

فلما وفق الله هذا الإمام لرفض غير الضروري منها انصبت عليه العواطف الإلهية فحصل بها كل فضيلة جليلة بخلاف غيره من علماء الدنيا مختاريها وطالبيها والساعين لتحصيلها فانهم لما اختاروا ملاذها وزينتها ورئاستها انسدت عليهم غالبا طرق الرشاد فوقعوا في شركها يخبطون خبط عشواء ويحطبونها كحاطب ليل لا يبالون ما يأكلون ولا ما يلبسون ولا ما يتأولون ما يحصل لهم أغراضهم الدنيئة ومقاصدهم الخبيثة الخسيسة فهم متعاضدون على طلبها يتحاسدون بسببها أجسامهم مليئة وقلوبهم من غيرها فارغة وظواهرهم مزخرفة معمورة وقلوبهم خربة مأسورة، ولم يكفهم ما هم عليه حتى اصبحوا قالين رافضها معادين باغضها.

ولما رأوا هذا الإمام عالم الآخرة تاركا لما هم عليه من تحصيل الحطام من الشبه الحرام رافضا الفضل المباح فضلا عن الحرام تحققوا أن أحواله تفضح أحوالهم وتوضح خفي أفعالهم وأخذتهم الغيرة النفسانية على صفاتهم الشيطانية المباينة لصفاته الروحانية.

فحرصوا على الفتك به أين ما وجدوه ونسوا انهم ثعالب وهو أسد فحماه الله تعالى منهم بحراسته وصنع له غير مرة كما صنع لخاصته وحفظه مدة حياته وحماه ونشر له عند وفاته علما في الأقطار بما والاه.

أما زهده في الدنيا ومتاعها:

ن الله تعالى جعل ذلك له شعارا من صغره حدثني من أثق به عن شيخه الذي علمه القرآن المجيد قال: قال لي أبوه وهو صبي يعني الشيخ احب إليك أن توصيه وتعده بأنك إن لم تنقطع عن القراءة والتلقين ادفع إليك كل شهر أربعين درهما. قال: ودفع إلي أربعين درهما، وقال أعطه إياها فإنه صغير وربما يفرح بها فيزداد حرصه في الاشتغال بحفظ القرآن ودرسه وقل له لك في كل شهر مثلها. فامتنع من قبولها وقال: يا سيدي إني عاهدت الله تعالى أن لا آخذ على القرآن أجرا، ولم يأخذها. فرأيت إن هذا لا يقع من صبي إلا لما لله فيه من العناية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت