الصفحة 22 من 28

(11) الإدانة النفسية

قال تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) (البقرة: 44)

الأصل أن إقامة الحجة تتناول المستمعين والمخاطبين، عندما يدعوهم ويذكرهم بأوامر الله، لكن حينما يناقض الخطيب نفسه، ولا ينتفع بمقاله، فإنه يقيم الحجة على نفسه وهو ما يسمى (بالإدانة) .

لأن هذه الإدانة إنما وقعت بسبب تقصيره وهوان سلوكه، وضعف تأثيره في الناس، فصار كالذي يصب على نفسه نذارات الترهيب والتخويف، وإذا انضاف إلى ذلك تقاعس واضح، وتقهقر في الواجبات، كانت الحجة قائمة لاصقه بذاته، لا انفكاك إلا بالتوبة والتصحيح قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور:31) .

ولا محل حينئذ للمكابرة حتى ولو كنت خطيبًا مشهورًا، أو ذا وجاهة ورأي، أو حسب ومال، فإن الله يقول: (وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات:13) فجعل الظالم قسيم التائب ولا ثالث بينهما.

وليستحضر المسلم خطورة ترديد الكلمات دون عمل ومشاركة، فهى تزيد من الحجج القائمة، والبراهين الثابتة التي يدين نفسه بها، والله المستعان.

وفي مسند أحمد وأبي يعلى عن أنس رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لما أُسري بي مررت برجال تُقرض شفاهم بمقاريض من نار، قال، فقلت من هؤلاء ياجبريل قال: هؤلاء خطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب افلا تعقلون) . والحديث صحيح بجموع طرقه ...

وهذا الوعيد الشديد خليق بالخطباء أن يعوه، ويستحضروه كل ساعة من ليل أو نهار، وفي كل ذكرى وموعظة، إذا هم قصروا، وقالوا ما لا يفعلون والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت