فهرس الكتاب
إن هذا الجانب الآخر للصلة الوثيقة بين البكتاشية والعراق يبدو لنا مهمًا أكثر سواء من حيث امتداده الزمني أو من حيث تأثيراته الإيجابية. فقد بقي هذا التواصل مستمرًا عدة قرون بشكل أفاد الكثير من الدراويش والآباء البكتاشيين الذين أتيحت لهم زيارة العراق والإقامة في المراكز الروحية- الثقافية المعروفة فيه. وفي الواقع لقد استمر هذا التواصل قائمًا حتى منتصف هذا القرن. فقد كان من أواخر الآباء البكتاشيين الذين زاروا العراق وأقاموا فيه بابا حمزة، الذي توفي سنة 1952. ونظرًا لأن زيارة العراق كانت تصاحبها إقامة طويلة تصل إلى عدة سنوات أحيانًا فقد كان العائدون من العراق يحملون معهم بطبيعة الحال ما اكتسبوه من المراكز الروحية- الثقافية الكبيرة. وليس من المستغرب هنا أن تنعكس الصلة مع العراق، وبالتحديد الإقامة في العراق، على الأعمال الأدبية والمؤلفات الصوفية للبكتاشيين، التي تستحق أن تكون بحثًا مستقلًا في حد ذاته. وليس من شك هنا في أن المؤلفات الأدبية البكتاشية، وخاصة الملاحم الكبرى التي استلهمت الأحداث التاريخية في العراق، قد ساهمت بدورها في التكوين، الروحي والنفسي للألبانيين، أو لقسم منهم على الأقل، في النصف الثاني للقرن التاسع عشر والنصف الأول للقرن العشرين كما سنرى لاحقًا.
وعلى كل حال سنكتفي هنا لضيق المجال بالتعرض لأهم الآباء البكتاشيين الذين تميزوا بدور خاص في محيطهم بعد عودتهم من العراق:
بابا طاهر نصيبي Baba Tahir Nesipi
ولد في قرية فراشر Frasher بجنوب ألبانيا في منتصف القرن الثامن عشر، وبعد أن أصبح درويشا في الطريقة البكتاشية ذهب إلى العراق. بعد عودته أسس في مسقط رأسه تكية بكتاشية بقي يديرها إلى أن توفي سنة 1835م، حيث خلفه أحد دراويشه بابا علوش. وقد قدر لهذه التكية أن تمارس تأثيرًا كبيرًا في جنوب ألبانيا وأن تلعب دورًا ثقافيًا وقوميًا مهمًا في الأحداث على مدار قرن من الزمن تقريبًا (35) .