فهرس الكتاب
وسرّ هذه التناقضات المتعاقبة عليه والتنقّلات المتناوبة عليه ثوريّتُه المتأصِّلة في نفسه، وبعض مَن لم يَخْبُر الرجل يقول: إنه ذو شخصيّتين! والحقيقة أن له شخصيّة ثابتة؛ ألا وهي الثورية التي تحدّثتُ عنها آنفا وطول نفَسه في الخصومات، وأخرى متغيِّرة؛ لأنها تعبير عن هذه الثورية على حسب ما يَجِدّ في الدعوات، وشبيه بحاله من قال فيه عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ:"مَن جعل دينه غَرَضًا للخصومات أكثر التنقّل" [1] ، قال الدارمي بعد هذا الأثر:
"أي ينتقل من رأي إلى رأي!".
وعن خالد بن سعد مولى أبي مسعود قال: دخل أبو مسعود على حذيفة وهو مريض، فأسنده إليه، فقال أبومسعود: أوصنا، فقال حذيفة:"إن الضلالة حقّ الضلالة أن تعرف ما كنتَ تنكِر وتنكِر ما كنتَ تعرِف،"
وإيّاك والتلوُّن في الدين!!" [2] ، وفي رواية:"فإن رأَى حلالًا كان يراه
حرامًا ..."، وقال إبراهيم:"كانوا يَرَون التلوّن في الدين مِن شكِّ
(1) رواه مالك في (( الموطأ ) ) (917ـ الندوي ) وهو صحيح، وهو من الروايات العزيزة التي حفظتها لنا رواية محمد بن الحسن الشيباني، ورواه الدارمي (1/91) وغيره. ولهذا الأثر قصة انظر (( الشريعة ) )للآجري ص (56) ، و (( الإبانة ) )لابن بطة (583) و ( ترتيب المدارك ( للقاضي عياض(1/170) .
(2) رواه نعيم بن حماد في (( الفتن ) ) (130) وابن أبي شيبة (15/88) وابن بطة في
(( الإبانة ) ) (25) و (571ـ573) والحاكم (4/467) وأبو نعيم (1/272ـ273) وأبو عمرو الداني في (( السنن الواردة في الفتن ) ) (26) وهو صحيح؛ لأن له شاهدًا عند نعيم ابن حماد أيضا (134) وأبي القاسم البغوي في (( الجعديات ) ) (3117) .