فهرس الكتاب
الناس وغوغاءهم؛ فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيِّرها عنك كل مطير، وأن لا يَعُوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها"، فقال عمر:"أما والله ـ إن شاء الله ـ لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة ..."."
فما أعظم هذه المشورة! وما أقواه من مجتمع عرف مقادير الأشياء! وأين هذه التربية والنظر الحصيف من قوم يذيعون كل خبر عند العوام والخواص، خاصة منها الأخبار السياسية التي فتنت الناس اليوم، يتحدثون عنها في حماسة كبيرة كأنهم يستغيثون بالخلق من ظلم الخلق، لا تراه عليهم وهم يقررون التوحيد ويدفعون الشرك. وهل كان عمر يجمع الناس ويقول لهم: اجمعوا لي قصاصات الجرائد، وأنا أحللها لكم علانية، في شجاعة تامة، لا أخاف حاكما ولا طاغوتًا؟!
كلا! لا يتصور هذا في عمر - رضي الله عنه - الذي زجره النبي - صلى الله عليه وسلم - زجرا شديدا عن تتبع صحائف أهل الكتاب، فعن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه النبي - صلى الله عليه وسلم - فغضب قال:
( أمُتَهَوِّكون فيها يا ابن الخطاب؟! [1] ، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذِّبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى - صلى الله عليه وسلم - كان حيا ما وسعه إلا أن يتَّبعني ( رواه أحمد وغيره وهو صحيح.
(1) "التَّهَوُّك كالتهوّر، وهو الوقوع في الأمر بغير روية، المتهوّك: الذي يقع في كل أمر. وقيل: هو التحير"، كذا في ( النهاية ( لابن الأثير(5/282) .