فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 385

والثانية: أن في الاقتصار على التنديد بصنيع اليهود والنصارى تنبيها على قسمي المخالفة للرسل لا ثالث لهما، وهما:

ـ التفريط: الذي هو النصيب الأوفر لليهود مؤذي الأنبياء وقتَلَتِهم.

ـ الإفراط: الذي هو النصيب الأوفر للنصارى ذوي الغلوّ.

وهذا من إعجاز القرآن العظيم. وقد جاء التحذير منهما مقترنين في حديث واحد، هو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:( دعوني ما تركتكم؛ فإنما هلك مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأْتوا منه ما استطعتم ( متفق عليه.

فقوله: ( بكثرة سؤالهم ( في الإفراط والغلو.

وقوله: ( واختلافهم على أنبيائهم ( في التفريط والتقصير.

ولذلك أورده البخاري في"كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة" [1] ، وهو من جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم - .

ولما كانت المتابعة بهذه الدقة لم يمدح الله تعالى المؤمنين بمجردها، بل بإحسانها فقال: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينِ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} ، أي هي متابعة ظاهرة وباطنة، ومن كان كذلك فأخذ منه الشيطان نصيبا من الطاعة، أسرع الأَوْبة ونفعته التوبة؛ كما وصف الله المهاجرين والأنصار بذلك؛ لأن مخالفتهم لم تكن متأصِّلة في قلوبهم، وسرّ هذه العناية الربانية بهم ما عُرِفوا به من المتابعة التامة، فتأمَّل إخبار الله عن حفظ قلوبهم من الزيغ بسبب صدقهم في المتابعة في وقت العسرة قال الله - عز وجل -: {لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيَّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في سَاعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ} ، فلْيحذر الذين هم على ظاهر السنة دون باطنها، وكذا العكس.

تعجيل الهزيمة لمخالفي الرسل

(1) انظر ( الفتح ( رقم(6858) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت