فهرس الكتاب
قلت: ولذلك كان أئمتنا أفقه من أن يداهنوا المنحرفين عن منهج السلف، بل رأوا جهادهم أكبر الجهادين، كما قال يحيى بن يحيى شيخ البخاري ومسلم:"الذبّ عن السنة أفضل من الجهاد" [1] ، رواه الهرويُّ بسنده إلى نصر بن زكريا قال سمعتُ محمد بن يحيى الذهلي يقول سمعتُ يحيى بن يحيى يقول:"الذّبُّ عن السُّنّة أفضلُ من الجهاد في سبيل الله، قال محمد: قلتُ ليحيى: الرجلُ ينفِقُ مالَه ويُتْعِبُ نفسَه ويجاهد، فهذا أفضلُ منه؟! قال: نعم بكثير!" [2] .
وقال الحميدي شيخ البخاري:"والله! لأن أغزو هؤلاء الذين يَرُدُّون حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحبُّ إلي من أن أغزو عِدَّتهم من الأتراك" [3] ، يعني بالأتراك: الكفار. وقد وجدتُ مثل هذا عند من هو أعلى طبقةً من الحميدي؛ قال عاصم بن شُمَيْخ: فرأيتُ أبا سعيد ـ يعني الخدري ـ بعد ما كبِر ويداه ترتعش يقول:"قتالهم ـ أي الخوارج ـ أجلّ عندي من قتال عِدَّتهم من"
الترك" [4] ."
(1) مجموع الفتاوى ((4/13) .
(2) ذمّ الكلام )) ق ( 111ـ أ ) .
(3) رواه الهرويُّ بسنده في ( ذمّ الكلام ((228 ـ الشبل) .
(4) رواه ابن أبي شيبة (15/303) وأحمد (3/33) ، هكذا وقع عنده: عاصم بن شميخ بالخاء وهو الصحيح، وقد رواه ابنه عبد الله في ( كتاب السنة ((2/635) بإسناد أبيه نفسه إلا أنه جاء في المطبوع بتحقيق محمد بن سعيد القحطاني: عاصم بن شميج بالجيم، وقد كنت حسبته خطأ مطبعيا لولا أني وجدته مُثبَتا كذلك مرتين! قال محققه في أولاهما (2/634) :"عاصم بن شميج! بمعجمتين مصغرا، وتشديد الجيم!! الغيلاني ... التقريب (1/384) !!!". فرجعت إلى ( التقريب ( فإذا فيه:"عاصم بن شميخ بمعجمتين مصغرا، أبو الفَرَجَّل بفتح الفاء والراء وتشديد الجيم ..."، فعرفت أن هذا الخطأ من تصرّف المحقق حين انقلبت عليه خاء اسم أبي عاصم إلى جيم كنيته، مع أن قراءة شميج بجيم مشددة متعذِّرة!
وهذه الرواية أعلّها المحقق بعكرمة بن عمار، إلا أنني وجدت لها متابعًا عند ابن أبي شيبة في ( المصنف ((15/331) من طريق يزيد بن هارون قال أخبرنا العوام بن حوشب قال حدَّثني من سمع أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - يقول في قتال الخوارج:"لَهُوَ أحبّ إليّ من قتال الديلم"، ومثل هذه المتابعة تنفع على الرغم من جهالة من روى عنه العوام بن حوشب، كما أجابني به شيخاي الفاضلان: عبد المحسن العباد وربيع المدخلي إذا لم يكن في الإسناد مقال آخر، ولا سيما وأن المجهول من أهل القرون المشهود لها بالخيرية كما نبّه عليه ابن كثير في
( الباعث الحثيث ( ص(97) ، مع العلم أنه ممن ثبت سماعه من أبي سعيد ـ كما مرّ ـ وليس هو عاصم بن شميخ الذي في إسناد أحمد؛ لأنه ليس في شيوخ العوام، وحديث عكرمة ينجبر؛ لأن ضعفه يسير، فقد قال فيه الحافظ في ( التقريب ( رقم(276) :"صدوق يغلط"والله أعلم.
فائدة: نقل ابن منظور في ( لسان العرب ( في مادة:( دلم ) عن ابن سيده أن الديلم جيل من الناس من الترك.