فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 385

لكن إذا كان المنكر لا يغيَّر إلا بنوع من الخشونة فلا بأس باستعماله، ولو كان مع المسلمين، ألا ترى أن الله أباح القتال لذلك، وليس فوق القتال خشونة، فقال سبحانه: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ} . وقد يشتد المؤمن في إنكاره على أخيه أكثر منه مع عدوّه، ألم تر كيف لاَنَ موسى - صلى الله عليه وسلم - مع فرعون، واشتد على أخيه هارون - صلى الله عليه وسلم - ، حتى كان منه ما قصه الله تعالى بقوله: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} ، فهل لأحد أن يحتج عليه بالولاء والبراء، متهِما له بأنه يبسط لسانه ويده على أخيه ويلطف بالطواغيت؟!

بل ربما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُعنِّف العلماء من أصحابه إذا أخطأوا أكثر من غيرهم، وخذ على سبيل المثال قوله لمعاذ حين أطال الصلاة بالناس: ( أفتّان أنت يا معاذ؟! ( متفق عليه، ويقابله تلطفه بالأعرابي الذي بال في المسجد كما في صحيح البخاري وغيره. وقال لأسامة بن زيد حين قَتل في المعركة مشركا بعد أن نطق بكلمة التوحيد:( يا أسامة! أقتلته بعدما قال:لا إله إلا الله؟! ( قال أسامة:"فما زال يكررها حتى تمنيتُ أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم".

وقد استفاد أسامة من هذا التعنيف في النصح أيام الفتنة التي كانت بعد مقتل عثمان - رضي الله عنه - ، فأورثه توَرُّعا عن دماء المسلمين، قال الذهبي ـ رحمه الله ـ:

"انتفع أسامة من يوم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إذ يقول له: ( كيف بلا إله إلا الله يا أسامة؟! ( فكفَّ يده، ولزم بيته، فأحسن" [1] .

(1) السير ((2/500ـ501) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت