فهرس الكتاب
أكتب هذا تذكيرًا بأصل ( نيل السؤدد بالعلم ) ، ليَقْصُر الدعاة من زهدهم في نشر العلم الصحيح؛ لأنهم إن لم يَحْرِموا الناس من بركته، وظهر في الأمة الإخلاص لله في العمل به، غيَّر الله ما بهم من بأس. وإنما عربون الفتنة في انصراف العلماء عن تعليم أمتهم الكتاب والسنة أي العلم الذي يعني الجميع، إلى الجهد الضائع في السياسات العصرية التي لا تعني إلا فئة محصورة على أكبر تقدير، وهذا خلاف سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فعن جابر قال: مكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة عشر سنين، يتبع الناس بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى يقول: (( من يُؤويني؟ من ينصرني حتى أبَلِّغ رسالة ربي وله الجنة؟ ) )، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر ـ كذا قال ـ فيأتيه قومه فيقولون:"احذر غلام قريش لا يفتنك"، ويمشي بين رحالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويْناه وصدَّقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن، ويُقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيُسلِمون بإسلامه، حتى لم يَبق دار من دور الأنصار إلا وفيها من المسلمين يُظهرون الإسلام، ثم ائتمروا جميعا، فقلنا:
"حتى متى نترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُطرَد في جبال مكة ويخاف؟"، فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدِموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى تَوافينا، فقلنا: يا رسول الله! نبايعك؟ قال:
( تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله، لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني، فتمنعوني إذا قدِمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة ... [1] .
(1) رواه أحمد والبيهقي والحاكم وهو صحيح كما في ( الصحيحة ((63) للألباني.